تأليف قاسم مطرود

الشخصيات

الدراماتورغ:شخصية تدخل وتتداخل مع الحدث

المرأة الأولى:لاجئة، كبيرة السن

المرأة الثانية:هي الأخرى لاجئة وفي سن متقدم.

المرأتان قادمتان من بلدين متحاربين لسنوات طوال

الرجل الصامت:موجود ومتلاشي في الوقت نفسه

المريضة:شابة أوربية، غائبة حاضرة بصوتها مع الأصوات الأخرى المرافقة للحدث

إيضاح

سنرمز إلى شخصيتي اللاجئتين بالأولى والثانية فقط

(المسرح مظلم، ومن الأعلى تنزل كرة كبيرة مشبكة وفي داخلها يجلس الدراماتورغ، جلسة بوذية وكأنه يؤدي اليوغا، يحمل بيديه شمعدان يحتوي على العديد من الشموع المشتعلة التي نعتمد على أضاءتها فقط، وقبل أن تستقر الكرة على الأرض وهو معلق يبدأ بالحوار)

دراماتورغ:ادعى دراماتورغ، اعرف أن وظيفتي ليست على خشبة المسرح، بل هناك الكثير من قال:

-: لا ضرورة لوجودي حتى أثناء التمارين لان المخرج يقوم بالعمل كله.

 إلا أن المؤلف يحاول دائما التجديف ضد التيار.

 ربما يجد متعة بذلك.

فقد أصر واقنع المخرج بان يكون لي دورا في هذه المسرحية.

(يخرج من الكرة ويقف على الخشبة..يضع الشمعدان على يمين المسرح)واقف على الخشبة مشاركا بالحدث حين، ومعلقا عليه حينا آخر،

ولان المسرح، فن المهارات وهو لعبة في الأصل لذا سألعب معكم، ومعكم اصنع العرض.

 ولا اخفي عليكم يبدو أن المؤلف اتخذ هذا الأسلوب في كتاباته الأخيرة:

بان يعوّل عليكم في صنع الحدث ويكتفي العرض ببث الشفرات فقط، انطلاقا من كوننا نمثل دائما على خشبة المسرح، وانتم تعرفون جيدا، عندما نكون في القصر أو الإسطبل فهو تمثيل فقط، فليس هناك قصر أو حاويات النفايات أو سجون أو مسابح .

 ولأننا نمثل في حياتنا اليومية على الآخرين، كي نقنعهم بوجهات نظرنا أو تصوراتنا للحياة بعد أن مثلنا على أنفسنا.

 اعرف أن حواري طال عليكم وقد لا يروق لبعضكم، إلا أن هذه فرصتي، ولأني دائما لا اظهر على الخشبة، واليوم سأفضح اللعبة كلها.

 سأحاول إزاحة الأقنعة عن الآخرين، وأنا ارتدي قناعي.

ولكن لا بد أن اقرأ عليكم ما أوصاني به المؤلف (يخرج ورقة من جيبه..يقرأ)من الضروري أن اكتب توضيحا لهذا النص..

هذا قول المؤلف..

لشعوري بأهمية إيجاد هذا الإيضاح.

ستتحرك فيه امرأتان دخل بلديهما الحرب لسنوات طوال.

 (يتوقف عن القراءة ويعطي إيعاز إلى منفذ الإضاءة)

-: إضاءة على المرأة التي تتحدث العربية فقط

(تظهر وهي جالسة على كرسي وظهرها إلى الجمهور بعد أن تضاء، تستدير قليلا باتجاه الجمهور وكأن يحركها محرك يدور ببطء أو فيه عطل، تمسك بيديها قناعا أو لوحة خشبية تحمل صورة المرأة الثانية)

-:وأخرى أتت من البلد المقابل في ساحة القتال

(يعطي نفس الأمر السابق بتسليط الإضاءة عليها)

-:بقعة ضوء على المرأة التي لا تعرف من اللغة العربية شيئا (بصوت عالي)يجب أن تكون مركزة جيدا

 (تسلط الإضاءة عليها، وهي تجلس على مقعد، وبالطريقة السابقة نفسها، هي الأخرى تستدير بالاتجاه المعاكس وتحمل صورة المرأة الأولى على اللوح الخشبي..خلال هذه الاستدارة يستمر الدراماتورغ بالتحدث)يسكنان في بلد ثالث منحهما اللجوء

الأولى:(تزيح اللوح الذي فيه صورة المرأة الثانية ليظهر وجهها الحقيقي)ولا تعرف أحدنا لغة الأخرى (تعيد اللوح على وجهها)

الثانية:(وهي تزيح اللوح، يظهر وجهها الحقيقي)ولا نعرف من لغة البلد الذي نسكن، إلا بعض المفردات(تعيد اللوح على وجهها)

الدراماتورغ:ستتحدث كل منهما بلغة بلدها (وهو يشير إليهما) وقليل من لغة البلد الذي احتضنتهما وتتحدث الأولى بالعربية(وهو يشير إليها أيضا) وتتحدث الثانية بلغة بلدها.

 إلا أننا سنجعلهما يتحدثان باللغة العربية للضرورات الفنية، ونحن نعول على منظومتكم الخيالية والجمالية في خلق وتصور الاختلافات بينهما

الأولى:(تحكي واللوح يحجب وجهها) ستعتمد مسرحيتنا على الحوارات الجانبية، وستكون هي وحدها المفهومة والمدركة بالنسبة إليكم

الدراماتورغ:أما الحوارات التي تدور بين الشخصيتين فهي غير واضحة لهما لاختلاف اللغة وعقم التفاهم

الثانية: ولكن عليكم معرفة مجريات الحدث والمفارقات التي تحصل بيننا

الدراماتورغ: سيستخدمان الإشارات كي تفهم أحداهما الأخرى.

اعرف هناك صعوبة في إدارة العلاقات الإنسانية، واعرف صعوبة التجسيد

الأولى:لكنه حدث ويحدث هنا أو هناك

الثانية:لذا نحاول مسرحته قدر المستطاع

الدراماتورغ:سأقوم بالتعليق والإيضاح، وأحيانا أوقف المشاهد وكأنه شريط سينمائي.

(فترة صمت وكأنه يتذكر) هناك أمر هام لا بد من ذكره، يفترض أن تدور الأحداث في منزل المرأة الأولى وتأتي إليها الثانية ومن ثم تبدأ أحداثنا إلا أننا سوف لا نلتزم بالمكان ولا الزمان وسنترك جميع الحلقات مفتوحة، هكذا هو فهمنا للمسرح، ما هو رأيكم نبدأ الآن(يصفق بيديه معلنا البداية وبالحال تخرج الثانية خارج خشبة المسرح)

الأولى: الزمان مساء احد الأيام (تحمل الشمعدان ..تخرج)

الدراماتورغ:(يعطي إيعازا بالتصفيق بيديه برفع الكرة إلى الأعلى لتستقر بنفس المكان الذي نزلت منه)المنظر غرفة جلوس ذات الإضاءة الشبه معتمة تحتوي على أريكة

(تدخل المرأة الأولى تحمل كرسيا وتحمل الأخرى طاولة صغيرة ويضعان قطع الديكور في مكان ما، يتدّخل الدراماتورغ بتغير المكان قليلا)

-: هكذا أفضل(يوجه كلامه لهما)المقاعد والتلفاز؟ الأفضل أن أساعدكما كي لا يداهمنا الوقت(تخرجان)

صوت الأولى:( من الخارج نسمع صوتها ) تعال واحمل التلفاز وضعه في المكان الذي يرضيك أيها الدراماتورغ

(يخرج الدراماتورغ وتدخل الثانية وبيديها بعض المقاعد، ثم يدخلا والدراماتورغ والأولى وهما يحملان التلفاز، يرتبان الديكور)

الدراماتورغ:هكذا يكون المشهد أفضل (يخرج نسمع صوته من الخارج)

صوت الدراماتورغ:هل جلبتما الرسائل وأقداح الشاي

الثانية:كلا اجلبهم معك

الدراماتورغ:(يدخل)هاهما معي(يراقب الديكور، يحرك كرسيا أو يرتب الأقداح كي تكون له اللمسة الأخيرة) هل نبدأ الآن

الأولى + الثانية:اجل

الدراماتورغ: (وهو يشير إلى الأولى)تجلسين على هذا الكرسي أو تنامين أو تختبئين في المكان الذي يعجبك

الآن أطفئ الإضاءة، سنبدأ العرض

(لا زالت الإضاءة كما هي)قلت أطفئ الإضاءة

(بالحال يكون المسرح مظلما تماما ومن وسط الظلام يصرخ الدراماتورغ)

أشعل أشعل نسيت شيئا هاما

(تضيء الإضاءة خشبة المسرح)نست أمرا هاما جدا لدينا شخصية مسرحية بالغة الأهمية هكذا أتصور

(خلال حواره يتم التركيز ببقعة ضوء على رجل مقعد على كرسي طبي محاط بالكثير من أنابيب الهواء وإلى جانبه عامود معدني معلق عليه كيس مغذي، وان هذا الرجل موجود منذ بداية المسرحية حتى نهايتها صامت لا يتحدث وليس له علاقة بما يجري سوى انه يحرك عينيه يمينا وشمالا وهذا أقصى ما يستطيعه.

يتجه إليه الدراماتورغ..يقف إلى جانبه ويوجه كلامه إليه) اعتقد انك تعرف المشهد وما الذي عليك أداءه.

(يوجه كلامه إلى الأولى)وأنت كذلك

الأولى:اجل

الدراماتورغ:أطفئ الإضاءة الآن إنها البداية الحقة

(يصرخ)ما بك يا ابني أطفئ الإضاءة

 (تنطفئ الإضاءة ويعم الظلام خشبة المسرح..فترة صمت قصيرة..من وسط الظلام نسمع صراخ المرأة الأولى وانين الرجل المريض وكأنهما في كابوس.. طرق على الباب الخارجي ومن ثم يعقبه جرس الهاتف..يبدأ الكشف وإذا بالمرأة الأولى تسرع مرعوبة لفتح الباب فتجد المرأة الثانية واقفة أمامها..مازال الهاتف يرن)

الأولى:هلو

الثانية:سمعت أصواتا غريبة وأنا ………..

الأولى:(بارتباك)كيف حالك

الثانية:هل عندكم هذه الأصوات

الأولى:اجل أنت جارتنا ادخلي إذا(تشير إليها بالدخول وتكرر جملتها مرارا لان الثانية لم تفهم شيئا) ادخلي إذا

الثانية:(تدخل وهي تتلفت يمينا شمالا وكأنها خائفة من شيء..حوار جانبي)ماذا أقول لها (توجه لها الحوار) كنت انوي الذهاب إلى السوق وسمعت …………..

الأولى:(حوار جانبي يمكن أن يصاحب حوار الثانية وبهذا نسمعهما معا ونعرف ما يدور بينهما وهما لا يفهمان بعض)ماذا تقول هذه المرأة أنا لا افهم شيئا(تسألها)هل تشربين الشاي أم القهوة؟(يتوقف رنين الهاتف)

الثانية:(تكمل وكأنها لم تسمع شيئا مما قالته الأولى)فقلت لنفسي علي أن اعرف الأسباب(برهة..تنظر إلى المرأة الأولى والتي لا ترد بأي فعل)كيف حالك؟هل من خطر عليك

الأولى: هل تشربين الشاي؟ (تجسد لها بحركة يديها إذابة السكر في الشاي)

الثانية:أنا بخير(حوار جانبي)ما الذي جاء بي إلى هنا؟لم افهم شيئا، أسالها عن الأصوات، تسألني عن أشياء أخرى، اعتقد أنها تسال ماذا اشرب

الأولى:(تعيد المرأة الأولى نفس الحركات)شاي شاي (حوار جانبي)

الثانية:هذه فهمناها وبعد؟

الأولى:(حوار جانبي)اعتقد أنا في ورطة، لكنها كسرت خوفي وخلصتني من كوابيس الموت التي تطاردني ومن إلحاح جارتي المريضة.

حسنا فعلت بقدومها، أتمنى أن لا تغادر.

(إلى الثانية وهي فرحة)حالا سأجلب الشاي(تغادر المكان)

الثانية:(ولأنها لم تفهم شيئا تواصل حديثها خلال خروج الأولى)لدي مشاكلي أنا أيضا.

(تختفي الأولى..حوار جانبي)أين ذهبت هذه؟

 أولم تسمعني وأنا أتحدث، لم لا تصغي إلي جيدا

الأولى:(من الداخل نسمع صوتها)كم قطعة سكر

الرجل:لا عليك عندما تأتين أكمل حديثي، المسكينة اعتذرت، إنها طيبة سنوات طوال وأنا اسكن إلى جانبها، لم اسمع منها ما يؤذي أبدا، وليس بيننا غير

–                   صباح الخير

–                   مساء الخير

–                   وأقصى ما أقول لها:هلو وترد هي الأخرى

–                   :هلو

لم تسألني أبدا وأنا لم أسالها عن شيء.

 إلا أني اعرف مشكلتها التي تشبه مشكلتي فهي لم تترك بلدها لو لم تفجع مثلي بترك بلدي، لكن مشكلتي ومشكلتها هي أننا لا نفهم بعض والحق يقال إنها تتفاهم بالسوق مع البائعة أفضل مني بكثير.

(برهة..مع نفسها..تعيد الجملة الأخيرة بسخرية) أفضل مني بكثير، من يسمعك يقول انك مترجمة، لا تعرفين غير مفردة واحدة وتستخدمينها في جميع الحالات هي

–                   هاي

 هذه هي التحية التي نتبادلها هنا هي

– مرحبا وهي

–                   صباح الخير

–                   ومساءكم طيب

وهي ردا على تحياتهم

–                   أشكركم أنا بخير وهي أيضا

–                   أنا بصحة وأنا مريضة

وهي كل شيء، هذا الذي اعرفه

الأولى:(تدخل وبيديها صينية الشاي)ولأنني لم أسمعك لذا جلبت قطع السكر وعليك الاختيار

الثانية:الشاي ينفع في مثل هكذا أوقات(تقدم لها الأولى الشاي ومن ثم السكر)كلا أنا لا استخدمه لدي مرض السكر

الأولى:(لم تفهم جيدا..حوار جانبي)مسكينة أنت ما الذي رماك هذه الرمية (تسألها مع الإشارات)هل تتكلمين لغة هذا البلد؟

الثانية:مرضت بالسكر قبل وصولي إلى هنا

الأولى:(ولأنها لم تفهم تعيد السؤال مع المزيد من الإشارات)هل تعلّمت لغة هذا البلد؟(مع الكثير من الإشارات)

الثانية:نعم أتلقى العلاج هنا

الأولى:(حوار جانبي)على الرغم من عدم فهمي لما

تقول، إلا أن دخولها بيتي بدد عليّ الوحشة والرعب الذي يفترسني

الثانية:(حوار جانبي..في نفس وقت حوار الأولى ويمكن تقطيعه ومداخلته)لم لا أسالها عن زوجها كيف حاله وأين أولادها الآن؟

الأولى:لدي بعض المعجنات هل تأكلين؟

الثانية:ربما يكون سؤالي ليس بمحله، ترى أين أولادك؟

الأولى:حالا سأجلبها ويمكنك اختيار الأطيب(تنهض وقبل أن تتجه إلى المطبخ..حوار جانبي)علي أن أبقيها جالسة حتى ولو ذبحت لها عجلا (تختفي)

الثانية:(مع نفسها)ماذا قالت هل ستحضر زوجها؟ (الرجل مازال يتابع دون أن يراه احد أو يعلق عليه أو يلمسه..برهة)مستحيل مذ شاهدتها هنا وهي تخرج وتدخل وحدها لم أر احد آخر

الأولى:(تدخل وبيدها صحن المعجنات..تضعه قبالة المرأة الثانية)صنعته بيدي انه لذيذ وخاصة مع الشاي

الثانية:(وقد فهمت كرمها)أشكرك، أين يمكنني غسل يدي(تشرح لها عميلة غسل اليدين أثناء الحوار)

الأولى:تعالي معي(تدلها على باب إلى جانب المسرح يفضي إلى داخل المنزل)هناك تجدين الحمام(تخرج.. تختفي).

 إنها مسكينة، لا اعرف هل اعطف عليها، أم على نفسي، رغبتها بالجلوس والحديث مثل رغبتي، ولكن هذه اللغة اللعينة لا افهمها ولا تفهمني وكل الذي اعرفه إنها أم حزينة مثلي وهذا يكفي للتفاهم

الثانية:(تعود)حمامك نظيف، دائما تجديني مشغولة بالتنظيف وخاصة المطبخ والحمام

الأولى:(لم تفهم لكنها تشير إلى المعجنات)تعالي كلي هذه، صنعتها بالجوز وربما تحبين هذه أيضا فقد عملتها بالتمر

الثانية:(تجلس تتناول واحدة) أحب هذه(حوار جانبي)سأسألها عن القِبلة ربما تعرف اتجاهها (إلى الأولى)هل تعرفين القبلة وأين يمكنني أن أوجه صلاتي

الأولى:لم تأخذ مني وقتا طويلا، شكرا لك المهم أعجبتك

الثانية:يبدو أنها لم تفهمني(تجسد لها الصلاة برفع يديها إلى الأعلى)الصلاة ألا تصلين أنت؟

 الأولى:( تفهم السؤال من الإشارات) أصلي؟ طبعا (تشير إلى زاوية ما)بهذا الاتجاه

الثانية:(مع نفسها)سأصلي بنفس الجهة التي ذكرت وسأتركها على ذمتها، اعتقد أنها بدأت تفهمني، سأسألها عن أبنائها وكم هو عددهم وأين هم الآن(إلى الأولى)كم ولد لديك؟

الأولى:الوقت الآن ليس وقت صلاة

الثانية:(حوار جانبي)عدنا ثانية، إنها لم تفهمني أيضا

(تبحث عن شيء يساعدها تنظر إلى صورة شاب بالأبيض والأسود معلقة على الجدار)من هذا؟ (تشير بإصبعها إلى الصورة)

الأولى:ابني(تجسد لها الحمل ومن ثم سقوط الطفل)هذا ابني

الثانية:هذه فهمتها انه ابنك، ولكن أين هو الآن؟(مع الكثير من إيماءات)

الأولى:(وقد فهمت السؤال)أخذته الحرب(تمثل لها شكل الاختفاء)

الثانية:الله يكون في عونك، أنا أيضا قتل ولدي البكر

(فترة صمت قصيرة)

الأولى:(حوار جانبي)انه لأمر صعب، أنها من البلد الذي افقدني ولدي، ماذا أقول لها الآن؟(جرس الهاتف يرن، تنتصب واقفة ولا تفعل شيئا..مع نفسها) أكثر ما كنا نخشاه هو الطارق الطارئ أو المتصل المجهول، أعوام طوال لا ننتظر إلا الأخبار السيئة

الثانية:لم لا ترد هذه المرأة

الأولى:(جرس الهاتف مازال يرن)

هي.

 أنها هي.

 ستدخلني المصحة تلك المرأة.

 إنها هي جارتي المجنونة

الثانية:خائفة المسكينة مثلنا، كنت أموت من الخوف إذا سمعت طرقا على الباب الخارجي بعد منتصف الليل.

 وأول شيء أقوم به هو النظر إلى فراش زوجي وأتأكد من وجوده

ورغم تأكدي انهض وأنا ميتة من الخوف

الأولى:(تتجه إلى الهاتف)علي أن أعنفها، لا تعرف الليل من النهار ما علاقتي بكلبك واهلك المجانين

(الهاتف مازال يرن..ترفع السماعة)الو، من معي(تضع يدها على الحاكية وتحدث المرأة الثانية)أنها هي، كما توقعت جارتي المريضة(تواصل الحديث عبر الهاتف) نعم

الدراماتورغ:(يدخل من جهة اليمن ويخرج من الجهة الأخرى وخلال هذا يوجه كلامه إلى الأولى) لا تنسي انك لا تفهمين لغتها

الأولى:(تكمل حوارها بعد أن تحرك رأسها إلى الدراماتورغ علامة الموافقة) صدقيني لا يوجد احد في منزلك، انه وهم.

لا تصرخي، اهدئي ليس هناك ما يخيف.

لا يوجد شيء في غرفتك، اجل، أنا جنبك، حتما إذا سمعت أي صوت سأحضر في حالا، ممكن اطرقي بابي وسأكون إلى جانبك، مع السلامة(تغلق سماعة الهاتف)

الثانية) مع نفسها)حتما لها الكثير من الأقارب والمعارف يتصلون بها ويزورونها، وأنا أعيش وحدي الكل بعيد

الأولى:هذه جارتي المسكينة، شابة جميلة مصابة بمرض الكآبة تجاوزت الأربعين ولم تتزوج.

 لذا تبنت كلبا( إلى الثانية)هل تفهمين

الثانية:أكيد، أكيد تعرفينهم، كلنا لنا أقارب، من منا مقطوع من شجرة، أقاربي منتشرون في كل مدينة

الأولى:إذن أواصل حديثي طالما فهمت حكايتها. المسكينة أحبت كلبها واعتنت به وصار هو كل شيء بالنسبة لها، الحبيب والزوج والابن والأهل، وكانت تشتري له وتصرف عليه كل ما تملك، ويأكل أفضل مما تأكل.

 لكنه كبر ومرض ومات(إلى الثانية)هل أكمل حكايتها؟

الثانية:طبعا نحن بشر

الأولى:هذا مشجع، المهم، حزنتْ كثيرا وبكتْ بكاء مر، أكثر من أي زوجة مات زوجها أو حبيبة فقدت حبيبها دون رجعة، هامت في الشوارع وصارت لا تعرف شيئا، تسألك سؤالا الآن وتعيده بعد ساعة أو اقل.

(برهة)مسكينة تحزنني كثيرا، لم تنم في حضن رجل.

(تتدارك) اعتقد هذا هو السبب الأهم في كآبتها

الثانية:(حوار جانبي)لا افهم منها شيئا، ربما تقول قولا لا يرضيني، لم لا أسالها، هذا أفضل، هل تكرهيني؟

الأولى:أكيد، أكيد ذهبت إلى المستشفى وكانوا يسكّنونها بالحقن والكبسول وإذا مرت جانبك لا تتكلم ولا ترمي السلام ربما تشاهد الآخرين أو لا تشاهدهم

(برهة) حقا أنها مسكينة جعلوها شبه ميتة، المهم أن لا تؤذي نفسها لأنها تجّرح رقبتها ويديها ويخافون عليها ومنها أيضا، ربما تؤذي نفسها أو الآخرين

الثانية:(مع نفسها )انه لأمر صعب أنها من البلد الذي قتل ولدي البكر، ماذا أقول لها الآن؟

الأولى:لا أظنها معي،وماذا تفكر هذه العجوز(تحدق إليها بإمعان)

(فترة صمت تنظر أحداهما إلى الأخرى وبنفس الوقت يستخدمن إصبع الاتهام باتجاه بعض)

الأولى +الثانية:انتم من أضاع مني ولدي (فترة صمت قصيرة أيضا..تنظر أحداهما إلى الأخرى وتشعران بخجل وكأنهما ارتكبتا خطا كبيرا)

الأولى +الثانية:اعتذر منك

الثانية:سامحيني

الأولى:اعتذر منك، لم أقصدك أنت وإنما بلدك هو الذي خطف ابني الحالم

الثانية:(حوار جانبي)أظن أنها مجنونة، على الذهاب والعودة إلى منزلي.

(إلى الأولى وهي تنهض)لا بد من الذهاب إلى البيت الآن(تتجه إلى الباب الخارجي)

الدراماتورغ:(يدخل مسرعا ويقف وسط المسرح ويوجه كلامه إلى منفذ الإضاءة) بقعة ضوء هنا(ليس هنالك أي تنفيذ) أو لم أحدثك الآن من غرفة السيطرة.

(تسلط عليه بقعة ضوء) هذا المشهد حذف حذفته الرقابة(يخاطب المرأتين) أولم تشاهدا الهامش الذي كتبته.

 لا عليكما لا أظن احد الرقابة حضر العرض اليوم يمكنكما أداءه اليوم وسنراقب القاعة يوم غد.

 ولكن الملاحظة الأهم هي أن زمن الفعل تغير نحن في الأسبوع الثاني من الأحداث وأنت حضرت إلى جارتك ثانية لسماعك الصراخ الحقيقي هذه المرة.

 لهذا اتصلتما ولا اعرف كيف بسيارة الإسعاف التي تنتظران حضورها لان حالة الرجل تدهورت كثيرا وبدا يختنق ولا يكفيه الأوكسجين.

المهم يمكنكما إعادة المشهد(يخاطب الثانية)حين كنت تفكرين مع نفسك مع حذف الكثير الذي لا ضرورة له

الثانية: هل أبدا الآن ؟

الدراماتورغ: اجل، سأذهب إلى الرجل لأطمئن عليه(يتجه إلى الرجل المريض يعاينه قليلا ثم ينسحب)

الثانية:انه لأمر صعب أنها من البلد الذي قتلك يا ولدي الحبيب، ماذا أقول لك الآن؟(فترة صمت تنظر إحداهما إلى الأخرى وبنفس الوقت يستخدمن إصبع الاتهام باتجاه بعض)

الأولى +الثانية:انتم من أضاع مني ولدي (فترة صمت قصيرة أيضا..تنظر إحداهما إلى الأخرى وتشعران بخجل وكأنهما ارتكبتا خطا كبيرا)

الأولى +الثانية:اعتذر منك

الثانية:سامحيني

الأولى:اعتذر منك، لم أقصدك أنت وإنما بلدك هو الذي خطف ابني الحالم

الثانية:(حوار جانبي)أظن أنها مجنونة، على الذهاب والعودة إلى منزلي(إلى الأولى وهي تنهض)لا بد من الذهاب إلى البيت الآن قلت أواسيك ولكن للأسف……..(تتجه إلى الباب الخارجي)

الأولى:(مع نفسها وبسرعة)اعتقد أني أغضبتها، ما كان عليّ اتهامها، إنها مسكينة(تتجه إليها)أين؟

الثانية:سأذهب الآن، أفضل إلي ولك(تحاول فتح الباب الخارجي)

الأولى:كلا لا يمكن أن ادعك تذهبين(تغلق الباب وتدفع بها إلى الداخل) أنت امرأة طيبة ولا علاقة لك بهذا الجنون،ابقي معي ساعديني ربما تصل سيارة الإسعاف واحتاجك بشيء

الثانية:(حوار جانبي..مع نفسها)لم افهم شيئا، بقائي هنا أفضل، أين اذهب، أتمنى البقاء إلى جانبها، فقد مللت الوحدة

الأولى:(تحاول تغير الموضوع وبلطف تتحدث معها كالأطفال) حدثيني أنت عن أولادك

الثانية:لم اغضب عليك، أنت مسكينة مثلي

الأولى:أين هم(وهي تجرها إلى الداخل، وتشير لها بالجلوس)

الثانية:اجلس هنا؟

الأولى:اجل(تحاول إعادة السؤال وتذهب إلى صورة ابنها وتشير إليه)أنت هل لديك أولاد ؟

الثانية:(تكون قد فهمت السؤال من الإشارة إلى الصورة)ماذا نقول للظالمين

الأولى:(تقترب منها بعد أن تخلع الصورة من مكانها..تحاول شرح عملية الحمل والتي تعقبها الولادة )هل لديك ولد كهذا خرج من بطنك

الثانية: اجل(تحرك رأسها بالإيجاب)

الأولى:أين هو

الثانية:مات

الأولى:اعني ولدك

الثانية:فهمت، قلت لك مات(برهة..مع نفسها)كان علي أن أأتي مع مترجم أفضل(برهة..تأخذ الصورة وتعيدها إلى مكانها)هل تعرفين الحدود بين بلدينا؟

الأولى:اجل

الثانية:قتل هناك،تقطع جسده الطاهر برصاصكم

الأولى:(مع نفسها)يعني لديها أولاد

الثانية:بحثت عنه في كل مكان، في المستشفيات والمعسكرات لكنهم قالوا مات في المعركة الأخيرة التي ابتلعت آلاف الأبناء

الأولى: اجل(لا تفهم شيئا لكنها تساير الموضوع)

الثانية:(حوار جانبي)يبدو أنها ستقضي يومها بتكرار هذه الكلمة فقط

الأولى:وأين هو الآن؟(وهي تشير بيديها)

الثانية:من؟

الأولى:ولدك(تعيد نفس الإشارات السابقة)

الثانية:هذا يسمونه حوار العميان(تنهض) لأحترم نفسي واخرج قلت لك مات

الأولى:(تمسك بها)توقفي أرجوك

(من خلف الكواليس نسمع صوت الدراماتورغ)

صوت الدراماتورغ:رائع

الدراماتورغ:(وهو يدخل إلى خشبة المسرح)هذا ما قصده المؤلف والمخرج بان يكون حوار العميان(يوجه كلامه إلى الأولى) إياك وان تلمسي هذا الرجل(يشير إلى الرجل المريض)يمكنك تغير بعض الأنابيب أو قناني الهواء أثناء حوارك ولكن لا يشترك في الحدث.

(يوجه كلامه إلى الثانية)وأنت استمري بالحديث معها حتى ولو ظل الحوار حوار العميان المهم نشرك من يعرف منطقة الحدث والحديث

الثانية:حديث العميان أم الطرشان

الدراماتورغ:لا فرق طالما الحديث فقد معناه بين الجميع، هل نبدأ من أين توقفتما أم نبني مشهدا آخر وموضوعا آخر

الأولى:أفضل من أين ما انتهينا أو نرجع قليلا

الثانية:على الأقل هذا مكتوب في النص

الدراماتورغ:إذا نغير المكان فقط نفترضه على جبل

الأولى:ولماذا على جبل

الدراماتورغ:لا ادري

الثانية:في جزيرة ولا يمر فيها احد ولا يسكنها إلا أنا وأنت

الدراماتورغ:فكرة جيدة استمرا في الجزيرة حتى نغير المشهد

الأولى:والديكور

الثانية:كما هو، المقصود بيتك في الجزيرة ولك بعض الجيران

الدراماتورغ:(يوجه منفذ الإضاءة)غير الإضاءة وأعط أجواء أخرى تنم عن الوحدة والسأم(يبدأ منفذ الإضاءة بالتغير ليتحول المشهد وكأنه بالفعل في مكان آخر)أين منفذ الصوت(نسمع صوته خارجا)

صوت منفذ الصوت:أنا هنا

الدراماتورغ:اعطنا مؤثر صوت ريح أو أي شيء يدل على وحدتهما في هذه الجزيرة(يشغل منفذ الصوت المؤثر)

الدراماتورغ:هذا جميل(يوجه كلامه إلى المرأتين)سأخرج وحال خروجي أكملا المشهد.

(تهز الأولى والثانية رأسيهما كعلامة رضا..يخرج)

الأولى:(حوار جانبي)أنا قلبي مفجوع، منذ أكثر من شهر لم أر أي شخص في هذه الجزيرة أو أتحدث مع أي كائن.

 سأحكي معها حتى ولو لم تفهمني، المهم افرغ ما بصدري.

(تجلس الثانية وتباشر بشرب الشاي)طالما جلست وشربت الشاي هذا يعني لديها الرغبة لسماع قصتي، سأقصها عليها بأية لغة كانت المهم أن احكي

الثانية:كم أتمنى أن تعرفي نوع الحزن الذي لفني يوم عرفت أن جسد ابني صار أشلاء

الأولى:هذه فرصتي لأسمعها حكايتي التي تقاسمني يومي كله، اسمعي(تشير إلى جسدها)أنا أجسد بلدي

الثانية: اعرف

الأولى:وأنت تمثلين بلدك

الثانية:وهذه اعرفها أيضا

الأولى:وهذه الأشياء(تشير إلى الطاولة والمواد الملقية عليها) هي الحدود بين بلدينا

الثانية:(تمسك قدح الشاي وتسألها عنه وهي تهم بالنهوض)إذا كنت تسالين عن الشاي فقد شربت بما فيه الكفاية

الأولى:ولدي ضاع هنا(تضرب بيديها على الطاولة وتحدث صوتا مدويا، بعد أن تشاهد نهوض الثانية الذي يثيرها.. وما أن تشاهد الثانية عصبية الأولى تجلس بهدوء في مكانها)حسب ما قاله لي صديقه في جبهة القتال الذي حزن عليه كثيرا.

(بحزن)لأنه كان الشاهد الوحيد على اختفائه في ارض الحرام، هكذا يسمونها، رجوته مرارا

–                   :ولدي بالله عليك هل شاهدته يموت، أو مجروح

–                   :كلا، يا أمي

أمي، هكذا كان يناديني لأنني أعامله مثل ابني، ويوم يزورنا أقدم له أفضل ما لدي من طعام، لان هذا يسعد ولدي حبيبي قبل أن يسعدني(تجسد)

–                   :لقد اختفى في زحمة البنادق وأصوات الجنود

هكذا قال، وسألته وأنا موجوعة ودون أن تخرج مني الكلمات:

–                   :أرح قلبي وقلي الحقيقة، فإذا مات سأرضى بحكم الله

الثانية:(وكأنها تتذكر شيئا )لأنني لم افهم شيئا فلأصلي أفضل (تسألها)هل حان وقت الصلاة.

(تنهض..تهم بالخروج إلى الحمام)أريد التوضؤ(تخرج)

الأولى:ما الذي يحدث، انه يوم غير عادي، فرحت بوجود إنسان يصغي إلي، حتى ولو لم يفهم ما أقول، لكنه يتركني ويخرج دون أن اعرف شيئا

الثانية:(تدخل)هل لديك سجادة

الأولى:أين ذهبتِ ؟

الثانية: سألتك عن السجادة

الأولى:هل أنت معي ؟أحدثك فتذهبين ما الأمر؟

الثانية:أريد أن اصلي هل لديك سجادة (مع الإشارات)

الأولى:تريدين الصلاة(مع الإشارات)

الثانية) بسعادة)اجل

الأولى(تهم بالخروج)سأجلبها إليك(تخرج)

الثانية: (مع نفسها وهي تتفحص المكان بريبة)من الأفضل إعطائها هدية (تفكر قليلا ) لدي هذا الخاتم اشتريته منذ أكثر من عام وسعره كان لا يذكر

الأولى:(تدخل وبيديها السجادة) تفضلي.

(تنظر إلى يد الثانية الممتدة باتجاهها وهي تقدم لها الخاتم )ما هذا؟

الثانية:هذا لك

الأولى:لماذا؟

الثانية: هدية

الأولى:(لا تفهم رغم الإشارات)لماذا ؟

الثانية:هذه عادتنا

الأولى:وان كنت لا اعرف لماذا لا…………

الثانية:فقط لأقول لك

-:إني احبك ولا احمل أي حقد ضدك

الأولى:أشكرك

الثانية: اشعر بالراحة وأنا أبادلك الود

الأولى:(حوار جانبي)من الأفضل إعطائها هدية أيضا(تندفع إلى الداخل..تختفي)

الثانية:(بتردد)ما هذا؟ أين ذهبت؟

الأولى:(تدخل وبيديها شال) هل تعرفين ما هذا(مع الكثير من الإشارات)

الثانية:شال

الأولى:اجل شال انه لك هدية مني

الثانية:شال على الرأس (تشير إلى رأسها)

الأولى: هذا حرير خاص، لدي ثلاثة

الثانية: (لا تفهم رغم الإشارات)لماذا ؟

الأولى: لست بحاجة إليه أردت أن أقول لك:

-:إني احبك ولا احمل أي حقد ضدك

الثانية:أضعه على راسي(تضع الشال على رأسها)

الأولى: اجل(ترتب لها الشال على رأسها)كم هو جميل عليك لأجلب لك المرأة (تذهب إلى الداخل)

الثانية:أين ذهبت؟ حقا لم أعد افهم شيئا

الأولى:(نسمع صوتها من الداخل) سترين بعينيك، كأنه صنع لك وحدك فقط .

(تدخل وبيدها مرآة..يصاحبها الكثير من أصوات صراخ وتكسيرا للصحون وضرب أشياء أخرى في الشقة المجاورة..تتوقف وسط المسرح والأصوات مازالت مستمرة وما أن تتوقف تقول وبحزن )يبدو إنها متعبة اليوم

الثانية:حتى الساعة لم اصل بعد إلى حقيقتها؟

الأولى: هذه جارتي، أولم تسمعي الفوضى التي أحدثتها، في كل يوم لها فصل من العذاب، ولكن يبدو أنها اليوم متعبة جدا

الثانية:أنا تائهة هذا الذي اعرفه

الأولى:(تحاول تغير الموضوع..وهي تمسك لها المرأة)انظري إلى نفسك، كم هو لائق

الثانية: (تستجيب الثانية لها وتنظر)حقا جميل (تخلع الشال وتعيده إلى الأولى)

الأولى:ما هذا؟

الثانية: انه لك

الأولى:بل لك

الثانية:(حوار جانبي) لأضع الشال على الكرسي دون أن تعلم وعليّ تغير الموضوع، أنا في ورطة ولا اعرف ماذا افعل (برهة)لا تنسي انتظر زيارتك إلى بيتي(تحاول وبخلسة وضع الشال على اقرب كرسي)

الأولى:أنت طيبة القلب

الثانية:(مع نفسها وتسمعها القول في الوقت نفسه)أنت محظوظة أكثر مني

الأولى:نحن لم نتعود على شرب القهوة وان أحببت القهوة اصنعها لك ألان(تهم بالنهوض..تقف)

الثانية:ثانية وقفت ولا اعرف السبب

الأولى: (تمسك الثانية من يدها وتجرها إلى الداخل) تعالي معي سأعطيك القهوة وكل شيء وعليك صنعها ربما أتذوقها من يديك (تدخلان..تختفيان..حال اختفائها يدخل الدارماتورغ)

الدراماتورغ:أتمنى أن لا يكون قد أتعبكم عرضنا المسرحي.

الحقيقة هي إننا ضد فكرة إعطاء المتلقي كل شيء جاهز وهو جالس على مقعده.

(خلال حواره نسمع صوت الأولى من الداخل، يقطع حوار الدراماتورغ حين ويتداخل معه حين آخر)

صوت الأولى:هذه هي القهوة

–                   استخدم هذا الوعاء لتسخين الماء

–                   كم ملعقة بن؟

–                   أضعهم الآن أم لاحقا

الدراماتورغ:المهم هو أن تخرجوا من العرض وأنتم تفكرون بنا أو تستوقفوننا للجدل حول حوار العميان

الأولى: (تدخل هي والثانية وبيدها صينية وفيها فنجانين) يبدو من شكلها ورائحتها لذيذه إذا أعجبتني سأصنعها دائما بل وسريعة أيضا (تتوقفان بعد مشاهدتهما للدراماتورغ)

الدراماتورغ: عليّ أن أكون خارج اللعبة الآن(يوجه كلامه إلى الأولى)اعتقد إن مشهد الجزيرة انتهى

الأولى:اجل

الدراماتورغ:وهل عرفتما أين سيكون المشهد الآخر؟

الأولى:في البيت أيضا ولكن على حافة نهر

الدراماتورغ:ليس من الضروري تغيره سيكون المشهد جميلا،إذا نكمل ولا عليكما من وجودي

الأولى:(تعيد حوارها السابق وحال تحركهما يخرج الدراماتورغ) يبدو من شكلها ورائحتها لذيذة إذا أعجبتني سأصنعها دائما بل وسريعة أيضا

الثانية:اجل؟(تظن أنها عرفت القصد، لذا تجسد إشارات الموافقة بالرأس..برهة)ألا تشعرين بالوحدة؟

الأولى: (تهم بالخروج..تختفي) سأعود بالحال

الثانية: (خلال ذهابها تحاول الثانية رصد حركتها وهي ذاهبة)أتمنى أن تكون فهمتني هذه المرة

الأولى:(وهي داخلة)جلبت المزيد من المعجنات (حوار جانبي)أنت نزلت عليّ من السماء.

(تقدم لها القهوة وبعض المعجنات) هربت من بلدي الذي تحول بالنسبة إلي إلى مقبرة.

تصوري بعد اختفاء ابني بأقل من أسبوع اعتقلوني لأنني لعنتهم ولعنت الحرب التي ضيعتّ منا الأبناء

الثانية:كل هذا الحديث عن القهوة.

(حوار جانبي)طالما هي مشغولة بالقهوة فسأحدثها عن خيبتي.

(برهة) تتحدثين عن أشياء لا معنى لها.

لأنك لم تر جسده المقطع بعد اعتنائه به صباح مساء.

لم احتمل ذلك المشهد فخرجت عن طوعي، وصرخت، لعنتهم جميعا ومن يقف خلفهم

الأولى:اقتحموا بيتي وجرجروني إلى السجن مثل المجرمين، وبين الضرب والإهانات والتحقيق ضعت، أنا التي توقعت تكريمي لأني أم البطل (تبكي)

الثانية: يبدو أن الحكاية لا علاقة لها بالقهوة

الأولى:الحرب لعينة

الثانية:أرجو أن تكون قد أعجبتك القهوة؟

الأولى:لاستمر بدفع أحزاني عسى أن أنام الليلة مرتاحة (بصوت عال )سجن هل تعرفين السجن.

(تمثل لها كيف قيدوا يديها بالسلاسل واقتادوها إلى السجن)

الثانية:(باندهاش)أنت؟كنت في السجن؟(تعيد حركة الأيدي المقيدة)

الأولى: اجل

الثانية: أية قهوة أنت أيتها البلهاء

الأولى:أهانوني حتى كرهت يوم مولدي.

ومن يومها قررت مغادرة الوطن الذي أذلني.

ورغم ذلك تمنيت أن يكون ولدي مسجونا أو موقوفا

في أي مكان في هذا العالم، المهم يتنفس الهواء

الثانية:ذهب إلى الحرب رجل كالمرمر وعاد أشلاء

الأولى:اشعر بالراحة لأني فرّجت عن نفسي قليلا

الثانية:لم اصدق للوهلة الأولى أهذه الأشلاء……….

الأولى:فهمت إن لم تفهم، المهم إني أزحت عن نفسي الكثير من الأحزان

الثانية:(حوار جانبي) أظنك مثلي لا تفهمين شيئا مما أقول

الأولى:أنا معك طالما تصغين إلي

الثانية:(لأغير الموضوع أفضل)هل ستزورينني حقا؟ زياراتي لك بالصدفة لأني اسمع أصوات غريبة، فمن أين تأتيك تلك الصدفة وتلك الأصوات كي تدخلي بيتي

الأولى:اكبر أحزاني، إني تركت أخباره هناك.

 ولا خيار لي.

وكم صعب عليّ الآن مجرد التفكير بالموضوع(تبكي)

الثانية:(حوار جانبي)هذه المرة لابد أن افهم يبدو الموضوع جاد(توجه لها الحوار)أنا آسفة ما الذي أبكاك(تشير إلى دموعها وتعيد السؤال نفسه)لماذا تبكين؟

الأولى:كنت اعلم انك بواد وأنا بواد، ولكن هذا أفضل بكثير من وحدتي، تعالي أوضح لك الأمر

الثانية:اجل(تحاول التركيز لمعرفة الحكاية)

الأولى:ولدي(تحضر الصورة ثانية)هذا، اختفى أخذته الريح ولا اعرف الاتجاه(تمثل لها المشهد)

الثانية: (تتفهم الموضوع) أما ولدي (تسألها)هل احكي لك قصته؟

الأولى(تتفهم الأمر أيضا)اجل(مع حركة الرأس بالموافقة)

الثانية:(تمسك ببعض الرسائل المرمية على الطاولة وتصنع منها شيئا يشبه القبر)هذا قبر ولدي، ما هذا؟

الأولى:تل

الثانية:اجل قبر

الأولى:التل غير واضح

الثانية:قبر (تجسد لها القبر بحركة يديها)

الأولى:قبر (تجسد لها القبر بحركة يديها أيضا)

الثانية: اجل قبر

الأولى: قبر هذه فهمناه

الثانية:قبره هــــــــــــــناك في بلدي الذي لا يمكنني الوصول إليه

الأولى:وهذه فهمتها أيضا

الثانية:وأنا هنا

الأولى:أكيد لأنك هنا

الثانية:هذا هو الحزن يا جارتي القديمة هو هـــــــــــناك وأنا هنا

الأولى:الآن بدأت تصعّبين الأمر عليّ

الثانية:ممنوع عليّ الذهاب إلى هناك، وهو القطعة الأكبر من قلبي

الأولى: لماذا لا توضحين الأمر أكثر؟

الثانية:يبدو علي تغير الموضوع أفضل تحاول الهرب من الموضوع)كم الساعة الآن؟

الأولى:لازلت بعيدة عني

الثانية: اعتقد هذا هو وقت…………

الأولى:أرجوك تعبت إما تتوقفي أو تشركيني معك؟

الثانية:(مع نفسها)ربما فاتني موعد الصلاة (تسألها)كم الساعة الآن؟ هل هو وقت الصلاة

الأولى: انتم لا يدركون أحزان الأمهات ولوعتهن

الثانية:أسالك عن الوقت؟(مع الكثير من الإشارات التي تعني الساعة أو الوقت)

الأولى:(يفضل أن تعطي الممثلة الوقت الحقيقي على خشبة المسرح بعد أن فهمت سؤلها)الساعة هي كما ترينها (تشير لها على الساعة المعلقة على الجدار)

الثانية:إذا لم يحن وقت الصلاة بعد

الأولى:ربما

الثانية:(مع الإشارات أيضا)قد يكون وقت غداءك وأنا……….

الأولى: سنأكل معا، أنا وأنتِ، هنا على هذه الطاولة

الثانية:(مرتبكة)عسى أن تكون فهمتني هذه المرة

الأولى: نصنع الأكل معا (باستخدام الإيضاحات)

الثانية:(وقد عرفت القصد)إذا كان الأمر كذلك، ربما أبقى معك.

(حوار جانبي) أفضل بكثير من الجدران التي مللت لونها وصمتها (تخاطب الأولى بابتسامة) سأبقى بشرط

(تبتسم) أن تأتين لزيارتي وتأكلين معي أيضا

الأولى:منذ زمن وأنا بودي طبخ المقلوبة هل تعرفين هذه الأكلة؟

(تركز على مخارج حروف كلمة مقلوبة للإيضاح) مقلوبة

الثانية:اجل مقلوبة

الأولى:سنصنعها معا، هل لك رغبة بذلك؟

الثانية:أبقى معك ولكن دون أن اشرب الشاي بعد الآن

الأولى:هل ترغبين بشرب الشاي؟

(تنهض لغرض صنع الشاي)

الثانية:(تمسكها محاولة إبقائها في مكانها)كلا أرجوك، لا أريد الشاي، سأبقى معك

الدراماتورغ:(يدخل الدراماتورغ وهو يصفق بيديه متأبطا بعض الأوراق..يصل إلى المرأتين ويسلم كل منهما حزمة من الأوراق) جميل انتهى المشهد السابق الذي افترضناه في جزيرة(وهو يسلم الأوراق إلى الأولى التي تطلع عليها بالحال)خذي هذا المشهد.

(يسلم الثانية حزمة جديدة وهي الأخرى تطلع على المشهد)وأنت أيضا والآن المشهد القادم فيه شيء من الوجع.

 لذا اقترح أن تجسدا المشهد، الواحدة منكما تجلس مقابل الأخرى وتتحدثان دون حركة ونترك للآخرين حرية افتراض المكان

الثانية:فكرة جيدة

الأولى:يعني دون حركة

الدراماتورغ:اجل،لا تنسيا فان سيارة الإسعاف في الطريق؟

الثانية: ننتظر

الدراماتورغ:ستصل في وقتها(يعطي إيعاز لمنفذ الإضاءة بالتغير)إذا لا نحتاج سوى بقعة ضوء وسط خشبة المسرح على أن تكون الوجوه واضحة.

(تأخذ كل منكما كرسيا وتضعه وسط المسرح لتجلسان الواحدة مقابل الأخرى..يهم الدراماتورغ بالخروج وقبل أن يصل يعود إلى المسرح)

آسف نسيت(إلى منفذ الإضاءة)أريد بقعة ضوء على الرجل وإياك إطفاءها أريدها موجودة حتى نهاية العرض.

(يوجه كلامه إلى الأولى) يمكنك أن تبدئين وأنا موجود سأنسحب دون أن يشعر بي احد

الأولى:(تبدأ بالحوار بعد أن تلقي الأوراق إلى جانبها) هل تشعرين بالغربة

الثانية:(لا علاقة لها بالسؤال) كم عام مضى على وجودك هنا ؟

الأولى:أحسست بألم في صدري وهو يغادر المنزل متجها إلى وحدته، لم اقل له شيئا ولم أبح بإحساسي، انتظرته كالعادة يعود بعد شهر أو أكثر

 (برهة وبحزن وبالكاد تخرج منها الكلمات)لكنه لم يعد

الثانية:لا اعتقد هذا كله جواب على سؤالي(تحاول التوضيح)أنا هنا منذ حوالي عشر سنوات.

(تشير بأصابع يديها)وأنت؟

الأولى: قلت لك شهر ثلاثون يوما(تشير هي الأخرى بأصابع يديها ثلاث عشرات)

الثانية:مستحيل، أنت هنا منذ ثلاثين عام؟

الأولى:(تستمر)قلت لنفسي، ربما هناك خلاف بينه وبين آمر وحدته، وطمئنت نفسي يوم بعد آخر، ولكن قلبي لم يطاوعني هذه المرة.

في اليوم الثالث اندفعت متجهة باحثة عن أصدقائه الجنود في وحدته.

وذهبت لأسال الأول لكني وجدت أمه تنتظره مثلي.

وذهبنا إلى الآخر الذي استقبلتنا أمه بالبكاء والحزن المخيف.

وما أن اجتزنا الرابعة والخامسة.

عرفنا جميعا بان أبنائنا ابتلعتهم الحرب ولم يبق منهم إلا الذكريات

الثانية:عشر سنوات، ومازلت لم أتعود على هذا البلد بعد

الأولى:تقاسمنا جميعا الحزن الذي تعجز عن حمله الجبال.

وكلما تتجمع الأيام لتكوّن شهرا يدب اليأس فينا وإذا اجتمعت الأشهر باكتمال العام، نكون قد ندبنا حضنا بالخسران، واليأس هو حديثنا الدائم

الثانية:الواحدة منا ليس لها غير الوطن الذي ولدت وتربت فيه

الأولى:لا شيء يقتل الإنسان كاليأس، والحزن هو الخنجر المسموم الذي يجهز على الحياة

الثانية:(حوار جانبي)أظنها تفهم ما أقول وجهها حزين وكأنها تأثرت كثيرا بما قلت(برهة)هل تحنين إلى وطنك؟

الأولى:اجل، كل هذا حدث في وطني، وماذا تظنين هنا في هذا البلد؟

الثانية:(مع المزيد من الإشارات وكأنه مشهد بانتومايم)أنا أحب وطني، رغم الذي شاهدته من عذاب فيه، تزوجت هناك، ذكرياتي كلها مرمية على الطرقات، أنت، هل لك ذكريات فيه؟

الأولى:(فهمت السؤال)لو نصبوني الملكة هنا بدلا من ملكتهم لبقيت عيوني تنظر إلى وطني، أحبه أكثر من نفسي، إذا جننت يوما فالسبب هو ابتعادي عنه

الثانية: إذا لماذا غادرته ؟(مع الكثير من الإشارات)

الأولى: نحن أسبابنا معروفة

الثانية: (حوار جانبي) أضنها لم تعرف سؤالي(تعيد السؤال ) لماذا تركتي وطنك

الأولى: أولم تشاهدي ما حدث على التلفاز

الثانية: هكذا أفضل لا تشغلي التلفاز

الأولى: لو انك شاهدت بيتي هناك، لقلت (تجسد)

–                   : من الجنـــون ترك هذا الـــبيت

( برهة.. بحزن) لكننا تركناه كنا نتاجر بالذهب، هل تعرفين ما أقول، الذهب(تشير إلى احد خواتمها)

الثانية:انه هدية لك لا يمكنني إعادته

الأولى:حياتنا كانت مختلفة تماما

الثانية:(بحزن) نلنا من الحزن ما لم ينله احد من قبل

الأولى(برهة..حوار جانبي) يبدو أنني في ورطة

 لم لا نصنع الأكل الآن وانتهي من هذه الحيرة

(تسألها) هل أنت جائعة؟

نأكل الآن؟

 ( مع المزيد من الإشارات لإيضاح عملية الأكل)

الثانية: نأكل؟(تعيد نفس الإشارات)

الأولى: كلا، اعني نبدأ بتحضير الأكل

الثانية: هذا بيتك وأنت تقررين

الأولى:(حوار جانبي)إذا صنعنا الأكل وأكلت الآن فستغادر حتما وتعيدني إلى وحدتي.

لذا عليّ إلغاء فكرة الأكل الآن والحديث عن شيء آخر،وعلينا البقاء جالستين كما قال الدراماتورغ

(إلى الثانية وهي مبتسمة بوجهها) لدي الكثير من الصور هل تودين مشاهدة صور عائلتي؟

الثانية: وأن كان ليس وقت غداء لكن عليّ أن أقول اجل

الأولى: (تفهم موافقتها من خلال حركة رأسها.. وهي تهم بالخروج ) أيها الدراماتورغ أريد جلب الصور وأعود إلى مكاني هل أستطيع؟

صوت الدراماتورغ:بسرعة يجب الحفاظ على إيقاع المشهد

الأولى:إنها قريبة من هنا سأحضرها حالا(تخرج)

الثانية: الحقيقة أنا أكلت المقلوبة مرة واحدة وكانت في بيت احد أصدقاءنا ووقتها لم تكن شهية.

(برهة)عسى أن تصنعها جارتي أفضل.

(مع نفسها )ليست المقلوبة هي المهمة، بل بقائي هنا هو الأهم، عليّ مساعدتها وأتمنى أن لا تنتهي الأكلة سريعا

الأولى: (قبل أن تدخل نسمع طرق حاد وغير منتظم على الباب الخارجي..تدخل مسرعة وبيدها البوم صور مع مجموعة كبيرة منفرطة..تنتصب الثانية فزعة واقفة لا تعرف ماذا تفعل أو تقول أي شيء..تدخل الأولى ..تتوقف تتأمل الثانية وتصغي هي الأخرى باندهاش إلى الطرق..تضع الصور على المنضدة.. تهم بالذهاب إلى الباب الخارجي ..تصل ..تفتحه..نسمع الحوار الدائر بينها وبين المريضة) من

الدراماتورغ:(يدخل بسرعة)أستوب هكذا نستخدم بعض المفردات الإنكليزية في التمرينات لا اعرف لماذا(يتوقف المشهد كما هو في الفيلم السينمائي ويفضل أن تقف المرأة الأولى على حركة فيها بعض الصعوبة،يتجول..وأثناء حديثه يمسك الدراماتورغ إحدى المرأتين وكأنهما في متحف الشمع)

المشهد المتداخل الآن بوجود شخصية المريضة والتي هي من اصل أوربي ولا تتحدث العربية والتي تستقبلها.

 هي الأخرى لا تعرف شيئا من لغة ذلك البلد كما نوهنا سابقا.

 ولكننا جعلنا الحوار مستساغا مقبولا مفهوما من قبلهما.

 وما عليكم إلا أن تقدّروا هذا المشهد الذي ينظم إلى مشاهد المعميات في عالمنا أيضا.

(يعطي إيعاز إلى منفذ الإضاءة)

هذه المرة اترك لك تنفيذ المشهد حسبما مدون في أوراقك من قبل المخرج.

(برهة..ينتظر التنفيذ)

أبدء الآن

(ما أن يتم تغير الإضاءة تتحرك الشخصيات وكان دبت فيها الروح..ينسحب الدراماتورغ بهدوء أيضا)

الأولى:(وهي تندفع إلى الباب)من؟

صوت المريضة:أنا

الأولى:ثانية أنت؟

صوت المريضة:أنا خائفة

الأولى:قلت لك لا داعي للخوف، ليس في الأمر ما يخيف

صوت المريضة:سيقتلني

الأولى:مَن هذه المرة؟

صوت المريضة:أخي مختبئ في المطبخ وبيده سكين

الأولى:أمس تجولت في غرفة نومك، ولم اعثر على أبيك الذي مات منذ سنين.

صدقيني يا جارتي هذا وهم

صوت المريضة:صحيح(تبكي)لكني خائفة، ارتعش، أريد أن أعيش

الأولى:ستعيشين وتتزوجين…………….

صوت المريضة:(فرحة تضحك بهستيريا)صحيح؟متى؟

الأولى:أنت فتاة جميلة، وألف من يتمنى زواجك

صوت المريضة:يعني أتزوج رجل(تضحك)أين أجده الآن

الأولى:الآن؟

صوت المريضة:اجل أريده الآن

الأولى:اذهبي إلى بيتك وسيأتي إليك ذات يوم

صوت المريضة:كلا أريده الآن

الأولى:حال وصوله أرسله إليك

صوت المريضة:قولي له أن لا يتأخر(تذهب)

الأولى:(وهي عائدة إلى الثانية)بودي أن أقدم لها شيئا، إنها طيبة بحق لكنها مسكينة مريضة لا أكثر(إلى الدراماتورغ) هل نعود إلى كراسينا في المشهد السابق

صوت الدراماتورغ:اجل

الأولى:أفضل أن ننتقل إلى الطاولة كي تكن المساحة أوسع لأننا نستخدم قطع إكسسوارات هي الصور كما هي على الطاولة

الثانية: أنا معكِ

صوت الدراماتورغ:لا ضير انتقلا إلى مكان آخر وأكملا المشهد

الأولى:(تنتقلان إلى مكان آخر وبحوزتهما الصور) بودي أن أقدم لها شيئا، إنها طيبة بحق لكنها مسكينة مريضة لا أكثر

الثانية:لم أحرك أية صورة انتظرتك

الأولى:هذه حالها منذ زمن ولا أظنه يتحسن

الثانية:(حوار جانبي)هذه المرأة، حتما لها أسرار،تتصورني لم اسمع شيئا ولم اعرف أنها تحدثت مع امرأة أخرى،أكيد بينهما أسرار.

(تتماكر لمعرفة السر)هل تعرفين تلك المرأة؟(وهي تشير إلى الباب الخارجي)

الأولى:من؟ جارتي التي كانت تتحدث معي؟

الثانية:اجل(مع الموافقة بحركة الرأس)

الأولى:حدثتك عنها كثيرا

(برهة..تحدق إليها بصمت)تصوري جارتي المريضة تفهمني وافهما أكثر مما تفهميني وأفهمك هكذا أظن

الثانية:أنا أيضا لي جيران ولكنهم لا يصرخون مثل صاحبتك هذه

الأولى:ولأنني لا أفهمك أو تفهميني،والأفضل لنا هو العـودة إلى الصــور، سأريك بعضا من صور العــائلــة.

(تبدأ بعرض الـصور) سأرتبــها إليك حسب السنين( تنشغل بالترتيب )

الثانية:(حوار جانبي) ظننتها ستشرع بعمل المقلوبة أو تحدثني عن مشكلة المرأة وإذا بها تأتي بالصور هذه.

لا يدل هذا ابد على إننا نفهم بعض على أحسن وجه(بسخرية)

أين صورك؟

الأولى: انظري هذا هو زوجي

الثانية: من ؟

الأولى: هذه صورة زوجي(مع الإيماءة بخاتم الزواج)

الثانية: زوجك؟

الأولى: اجل

الثانية: أين هو ؟ (مع إشارات الاستفهام)

الأولى: لا اعرف( مع الإشارات أيضا )

الثانية: اعني زوجك أين ذهب

الأولى: لا اعرف، أخذته الأيام مني

الثانية: يبدو انك لا تفهمين سؤالي، لا يهم، اتركيني أشاهد صورا أخرى

الأولى: قيل عنه الكثير،مات،مرض ،اختفى،ذاب في البحر،أكلته الطيور الجارحة

الثانية:أريد المزيد من الصور (مع الكثير من الإشارات)

الأولى:(بيأس)فهمت، هذه صورة أخرى، انظري

الثانية:زوجك ثانية، أريد صورة شخصا آخر، صورتك مثلا يوم كنت شابة، ترى كيف كان شعرك في الخامسة والعشرين(وهي تشير إليها)

الأولى:(تفهم)أنا؟

الثانية:يا لحسن حظي وأخيرا فهمتني، اجل أنت

الأولى:(وهي تبحث بين الصور)هذه أنا، في أول عام من زواجنا، كنا في سفرة(تتأمل)كم كان يحرص على إسعادي، يحاول دائما اقتراح سفرات كي لا اكتئب أو اسأم، حينها لم يكن لدينا أولاد، ونظرتنا للعالم مختلفة.

 شيء آخر لا اعرف كيف اشرحه، إن لم اقل نسيت نفسي، كيف كنت قبل أن أكون أم، أحيانا أتصور أني ولدت أم، وان السنوات التي مرت قبل الأمومة وهم

الثانية:(تنظر إلى الصورة ولم تفهم أي شيء مما ذكرته الأولى)ومن هذا الرجل الذي يقف إلى جانبك؟

الأولى:(بعصبية لأنها عرفت كل الذي قيل ذهب مع الريح)هذه أنا (تشير إلى المرأة في الصورة)

الثانية:واضح إنها أنت أسالك عن هذا الرجل

الأولى:(بسرعة)زوجي يوم كان الشباب يفر من عينيه(تشير بإصبعها وبنفس وتيرة الحوار السابق)

الثانية:(تتدارك وتدعي إنها عرفته)واضح انه زوجك، تصوري لم يتغير كثيرا عن الصورة السابقة.

(مع نفسها)انك منافقة(برهة)الحقيقة هي كانت جميلة بحق،يبدو إن الزمن اخذ منها الكثير.

(إلى الأولى)لو انك شاهدتي صوري قبل الزواج لما صدقت بان التي تقف أمامك هي ذاتها، كنت مثل الوردة المتفتحة وشعري.

(مع نفسها..حوار جانبي)ما علاقة شعري بوجودي هنا(تحاول تغير الموضوع وقبل أن تتحدث تعطيها الأولى صورة أخرى)

الأولى:(وهي تأخذ منها الصور السابقة)بودي التحدث معك عن كل شيء، ولكن الصور أسهل وسيلة لمعرفة الأشياء وتسهل عليّ المهمة

الثانية:صورة من هذه؟

الأولى:(بحزن..وكأنها تريد البكاء)ابني

الثانية:(حوار جانبي)اعتقد أني ارتكبت خطئ، أحزنتها (برهة) جارتي خير لك ولي أن تدعيني اذهب إلى بيتي، كي لا يحزن احدنا الآخر

الأولى:(وكأنها لم تسمع شيئا)كان يحب الحياة ويهتم كثيرا بمظهره وصحته(تتأمل)كان يقيم الدنيا ولا يقعدها إذا قدمت له قدح ماء غير نظيف أو لم اغسل الصحن الذي يأكل فيه، وإذا شاهد بقعة على بنطاله أو قميصه، كأن العالم كله تلوث وأنا أمازحه بقولي

–                   :سيأتي اليوم الذي تذهب به إلى زوجتك……

 (لا تستطيع إكمال الحوار لأنها تختنق بالبكاء)لقد ذهب المسكين ولم ينم بحضن زوجته، ذهب دون عودة

الثانية:لو عرفت أن عودتي إلى بيتي تحزنها كل هذا الحزن لما تفوهت بشيء.

 أعدك باني سأظل هنا حتى ولو طلبت مني المبيت.

(حوار جانبي) أفضل بكثير من الكوابيس التي تهاجمني كل يوم والتي تقتحم ليالي الموحشة، وطالما صرخت بطلب قدح ماء ولا من مجيب إلا صداي (تربت على كتف الأولى)سأبقى هنا، أعدك لن اذهب، المهم أن لا تبكين ثانية

الأولى:(جرس الهاتف يرن..تخاطب الهاتف بشدة وهي تتنهد من البكاء)أرجوك يا جارتي لا تفسدي يومي أكثر، لن أرد عليك هذه المرة، ليس لدي حلول لك

الثانية:(مع نفسها)هذه المرأة ليست طبيعية إنها تحدث نفسها تارة وها هي تتحدث عن بعد مع الهاتف، ربما خائفة من الشرطة أو شيء آخر، إنها لا تخلو من الأسرار

الأولى:(مازال الهاتف يرن..تصرخ على الهاتف) تكفيني مشاكلي، أرجوك توقفي(يتوقف رنين الهاتف)

الثانية:ما الذي يحدث صرخت على الهاتف وسكت، ربما تجيد السحر

صوت الدراماتورغ:(نسمع صوته من خلف الكواليس)انتقلا الآن إلى المشهد الآخر

الثانية:والمكان

صوت الدراماتورغ:في غابة وبين الأشجار

الأولى:ولماذا الغابة؟

صوت الدراماتورغ:لأنها رمز الصراع على ما اعتقد

الثانية: والرجل المريض

صوت الدراماتورغ:يبقى في مكانه

الأولى:هل نبدأ الآن

صوت الدراماتورغ:اجل

الثانية:(إلى الأولى)هيا ادخلي في المشهد ولك البداية

(تقفان في طرفي المسرح والمسافة بينهما واسعة وكأنهما بين الأشجار)

الأولى:(فترة صمت قصيرة بعد أن تتقمص الشخصية..تبكي) لم أتصور أني سأصافح أو استقبل ذات يوم إنسانا من البلد الذي كان سببا في موته وتدمير حياتي.

 وها أنا أجهش بالبكاء أمامك، واستعطفك البقاء، فقط لتستمعين إلى مأساتي وتواسينني إن استطعت.

(حوار جانبي)هذا إذا فهمتِ ما أقوله لكِ، وان لم تفهم فلا فرق.

 المهم هو، أن أزيح عن صدري الهم الذي فاق حده.

الثانية:(حوار جانبي..مع نفسها أيضا)هل تصدقين نفسك بان قلبك سيحن ذات يوم على أي شخص قادم أو مر بالبلد الذي أكل ابنك حيا.

 هل تعرفين من هذه المرأة التي تواسينها؟ إنها أم احد القتلة………

الأولى:أزعجتك؟ أتعبتك؟ هل أنت غاضبة؟

الثانية:قد يكون ابنها هو الذي أجهز على حياة ولدي في رصاصة.

 هي أم القاتل، يا لحزني، أواسيها ؟

(بصوت عال وبهستيريا وفي وجه الأولى) أنت قذرة وقاتلة………

الأولى:(لم تفهم سبب عصبيتها وبهدوء )يمكنك متابعة المشي معي،ما الذي أغضبك بعد قليل سنصل السوق

الثانية: أخطئت يوم أتيتك، كيف سيسامحني ابني على فعلتي تلك، ماذا أقول له

–                   :أمك بحثت عن شخص يواسيها ولم تجد إلا أم القاتل

(برهة)اعرفه جيدا لم ولن يسامحني

(بحزن)سأعاقب نفسي على فعلتي المشينة

الأولى:أولم يكن اقتراحك هذا أن نمشي في الغابة كي نصل السوق اقرب ونتنفس هواء نقيا؟

الثانية:توقفي(تتوقف الأولى في مكانها)هل كان يقص عليك كيف يقتل الآخرين؟

 (تمسك بها وتهزها)يقينا حدثك عن الطريقة التي أجهز بها على حياة ابني الحبيب

الأولى:(بهدوء)لا افهم شيئا، ماذا تقولين؟

 لماذا تصرخين؟

هل تودين العودة إلى المنزل؟

تعالي  نقضي اليوم بالحديث عن أشياء أخرى

الثانية:(حوار جانبي بعد أن تشاهد برود الأولى وسماحتها..تهدأ قليلا)يا لك من مجنونة،كل الذي تفوهت به وأفسدت به الجو كان في الهواء.

أم القاتل لم تفهم شيئا، وبهذا لم أفصح عن غضبي وغلي.

(بحزن وبهدوء)كانت تتحدث ببرود وكأني لست هنا.

(بغضب)هي ذي دائما أم القاتل

(مع نفسها)اهدئي يا امرأة، اهدئي، تذكري بأنك خرجت عن طورك.

(بحزن وبكاء)أنا أم

(بهدوء تتأمل نفسها قليلا)هي أيضا أم مسكينة.

وابنها ضائع وربما الذي غيبه هو نفسه قاتل ولدي.

(تناجي ولدها المفترض وجوده والمجسد أمامها)

–                   :سامحني يا ولدي وسامحها هي الأخرى.

انظر إليها كم هي مسكينة منكوبة

هي مثلي مفجوعة موجعة

 سامحها وسامحني أرجوك (تبكي)

الأولى:إنها مشكلة، اعرف إنني لم اقل شيئا يبكيها، ولا افهم سر ذلك البكاء.

 حقا أنها معضلة، كيف أتواصل معها.

(تنادي على الدراماتورغ) يا الدراماتورغ هل

سنبقى على هذه الحال لا تفهم إحدانا الأخرى

صوت الدراماتورغ:(من خلف الكواليس أيضا) اجل النص مكتوب هكذا هناك من يفهم المرموزات بينكما.

 ما عليكما إلا الاستمرار فقط، أولم نقل بأنها لعبة والجميع يعرفون إنكما تلعبان والفكرة هي إشراكهم في اللعبة، أكملا مشهد الغابة

الثانية:(برهة..وقد هدأت، تغير إيقاعها السابق وبابتسامة)أتمنى أن أخدمك أكثر لو قررت زيارتي

الأولى:(وقد لاحظت التغير الكامل على نبرتها..حوار جانبي)لا اعرف كيف تفكر هذه المرأة، لو لم أكن مثلها لقلت إنها مجنونة

الثانية:هل فكرت بزيارة بلدي؟

الأولى: الغابة موحشة

الثانية:(ترفع صوتها قليلا لتأكيد السؤال)هل فكرت بزيارة بلدي؟

الأولى:بي رغبة لمشاهدة التلفاز، لو إننا لم نكن بين هذه الأشجار ، لجعتك تتفرجين معي على برامجنا التي تدمي القلب

الثانية:(ترفع صوتها أكثر وتجزأ السؤال)هل،فكرت،بزيارة، بلدي؟

الأولى: تنادين على احد في هذه الغابة؟

الثانية:(تمسكها من كتفيها وتوجه سؤالها مباشرة)هل فكرت بزيارة بلدي؟

الأولى:(تفهم السؤال من خلال غضبها ومجموع الإشارات وما أن ينتهي السؤال تجيب بالنفي بحركة رأسها وبهدوء)كلا

الثانية:(تهدا)توقعت ذلك.

(برهة) أنا أيضا لم أفكر يوما بزيارة بلدك

الأولى:(حوار جانبي)كيف ادخل البلد الذي قطف أجمل زهرة في الكون وفي عز الظهيرة.

 ماذا أقول له

-:باني زرت تراب البلد الذي يعيش فيه اللذين أبقوا من روحك وجسدك مجرد ذكرى

الثانية:لماذا؟

الأولى:(كأنها لم تسمع السؤال)لو لا غربتي ووحدتي لما استقبلتك أو مشيت معك إلى السوق  وقدمت لك الشاي.

كان عليّ وضع السم فيه ، ليس لهذه العجوز فقط بل لكل من عاش على ارض العدو انتقاما له

الثانية:(بابتسامة) بلدي جميل وأهله طيبون

الأولى:يبدو إني نسيت نفسي(تبتسم هي الأخرى لكسب ود الثانية)

الثانية:أتمنى أن تغيري أفكارك

الأولى:(بمجاملة)المشي معك ممتع

الثانية:( تبتسم في وجهها)إن فكرتِ بالسفر ربما أوصي عليك الأقارب هناك

الأولى:(تنظر إلى وجه الثانية المبتسم فتخاطب نفسها)توقفي واخرجي السم من راسك،فكري قليلا.

 موتاهم مثل موتانا.

المسكينة فقدت ابنها، ولم يعد أمامها بعد.

 خسارتها كخسارتك.

 (برهة وبحزن)الحزن اخذ مني ومنها أجمل الأشياء

الثانية:حيرتني هذه المرأة تبكي حين وتصرخ وتضحك أحيانا أخرى(تحاول تغير الموضوع)هل لديك أقارب هنا؟

الأولى:هل تعبت من المشي؟

الثانية:تسألني وتدّعي عدم فهمها لي.

لأسالها أنا أيضا.

هل تعلمين بان الكثير من أبناء بلدك كانوا يعيشون في بلدي

الأولى:أتمنى أن نصل وننهي الموضوع

الثانية: ولا زال يعيش الكثير منهم في البلدين.

(تخاطبها وجها لوجه بعد أن توقفها بيدها وكأنها تريد التأكيد لها) ربما يكون خالك في بلدي أو عمي في بلدك

الأولى: حتما سنصل وينتهي الأمر.

لو كنت اعلم باني سألتقي بك ذات يوم.

 لتعلمت لغتكم بمعاشرتكم أو العيش معكم

الثانية:(ولأنها عجزت عن حصولها على أية إجابة لذا تحاول تغير الموضوع) كيف تقضين وقتك في أيامك العادية

الأولى:كان في منطقتنا الكثير منكم.

 ولكن وما أن بدأت الحرب حتى اختفى الجميع

الثانية:(تحاول إيضاح السؤال السابق)أين تذهبين هنا في هذا البلد(تكرر كلمة هنا)هنا

الأولى:لا اعرف أين اختفوا، فجأة قالوا أنهم في السجون وقالوا رجعوا إلى بلدهم ومنهم من ذهب إلى دول أخرى، والحقيقة عندما وصلت إلى هنا……….

الثانية:اجل هنا

الأولى:شاهدت الكثير منهم وعرفت إنهم كانوا في السجون

الثانية:أرجوك افهميني(مع نفسها)سابكي

(تخاطبها كالأطفال مع الإشارات)هنا، في هذا البلد، هل تزورين أقارب أو أصدقاء

(تركز على كلمة هنا) في هذا البلد

الأولى:اجل(مع حركة الرأس بالإيجاب)

الثانية:وأخيرا فهمت السؤال

الثانية:أين؟

الأولى:أين(مع حركة الرأس)

الثانية:في بلدي

الأولى:(بعصبية)أللعنة سأنفجر، كيف أبقيك إلى جانبي ولا أستطيع التفاهم معك.

 أريدك.

إلا أني استنفذت كل طاقتي.

أرجوك كوني معي

الثانية:(بهدوء)ما الذي تريده هذا المرأة، أنها تسال كثيرا وكلما أجيبها تسال سؤالا آخر.

هل أنا في تحقيق، عليها أن تفهم إجاباتي وكفى

الأولى:(تمثل الهدوء)أنا متعبة

الثانية:سنصل السوق قريبا

الدراماتورغ:(يدخل وهو يوزع المشهد الآخر)جميل كان مشهدا رائعا.

لننتقل إلى المشهد الآخر (يسلمهما المشاهد)

سنتحول إلى بيت المرأة الأولى أيضا وعلينا إعادة الدفء الذي فقدناه في الغابة.

(إلى الأولى والثانية)نبدأ الآن؟لمن كان الحوار الأخير من المشهد السابق

الثانية:لها

الدراماتورغ:إذا ندخل من الحوار الأخير كي ندمجه مع مشهدنا الجديد.

(إلى الأولى)يمكنك الدخول في الشخصية.

سأجلس إلى جانب الرجل وأراقب المشهد عسى أن يكون الأداء أفضل من يوم أمس(يذهب..يجلس)

الثانية:ولكن علينا أن نصل المنزل أولا

الدراماتورغ:لا ضير

الأولى:(وهي تجلس على احد الكراسي)حقا كانت رحلة متعبة الطريق طويل والأحاديث كثيرة ولم افهم منها شيئا

الثانية:تصوري بدأت اشعر بألفة في بيتك،أعمارنا لم تعد تسمح لنا بالمشي كثيرا حتى التسوق صار صعبا علينا

الدراماتورغ:الآن يمكننا العودة إلى المشهد السابق وإكماله(يخاطب الأولى) المشهد لك

الأولى: وهو كذلك(تدخل في الشخصية..تفكر) لم لا نتفاهم عن طريق رسم الأشياء، إنها فكرة رائعة أين كانت هذه الفكرة من قبل عليّ إحضار الورق والقلم(تضحك..وهي تبحث عن القلم والورق)

الثانية:قد تكون مجنونة هذه المرأة، فإنها تضحك فجأة وتذهب وتأتي دون سبب

الأولى:(وقد جلبت الورق والقلم)تعالي معي(تجلسان حول الطاولة..ترسم)هذا بيتي(ترسم دائرة)وهذا بيتك واضح

الثانية:اجل

الأولى:وهذه البيوت المقابلة لنا(ترسم)واضح

الثانية:اجل

الأولى:(تعود نفس الأصوات السابقة التي صدرت من منزل المريضة..لحظات صمت من المرأتين)هذا احتجاج عليّ.

لأني لم أرد على مكالمتها

الثانية:(حوار جانبي)إنها تائهة لا…………

الأولى:( تقاطعها وتحاول تغير الموضوع لتواصل مع ضيفتها)شاهدتك ذات يوم تذهبين إلى هذا البيت أليس كذلك(وهي تشير إلى الرسم)

الثانية:اجل

الأولى:هل هم أصدقاء؟

الثانية:(تأخذ منها القلم وتكمل الرسم)هذا بيت

الأولى:يعني تعرفينهم

الثانية:اجل بيت

الأولى:من بلدك ……………؟

الثانية:حقا إنني تعبت منك(ترمي القلم على الورقة)لم لا نعود إلى صورك أفضل؟

الأولى:(تمثل إنها عرفت ما قالته الثانية وبنفس إيقاعها تكرر كلمة)اجل

الثانية: معقولة فهمت بهذه السرعة

الأولى:أنا وحدي

الثانية:اعتقد أفضل لأنني لم اعد أفهمك

الأولى:لدي الكثير من المعارف ولكنهم في مدن أخرى

الثانية:كان عليّ أن احسب ألف حساب قبل دخول بيتك

الأولى:أسافر إليهم أحيانا(وهي ترسم دوائر وخطوط)

الثاني: أين سيؤدي بنا هذا الرسم

الأولى:وبين الحين والآخر يزورني احدهم، افرح به كثيرا، وأقدم له أفضل ما املك، بالرغم من معرفتي بان زيارته ليست لي، وإنما لان لديه عمل في مدينتي، وبيتي مفتوح لهم، إلا أني أكون في غاية السعادة، المهم يوجد إنسان معي في المنزل

الثانية: (ولأنها لم تفهم شيئا فعليها إطلاق أية كلمة) صحيح

الأولى:لو أني عرفت مرارة الوحدة في الغربة لفضلت الموت هناك

الثانية: صحيح………..

الأولى:هناك كل شيء له طعم(تمسك يدها وتتودد لها)عفوا هل قاطعتك؟هل كنت تقولين شيئا

الثانية:(وكأنها لم تسمع أي اعتذار، تستمر بما بدأت به)صحيح

الأولى:ظننت إني قاطعتك، أكملي حديثك الذي لا اعرف عنه شيئا

الثانية:صحيح

(فترة صمت قصيرة..تنتظر الثانية أي رد من الأولى فتغتنم الفرصة للبوح عن نفسها)لا أتذكر يوما آلمت شخصا، أو كنت سببا في عذابه

الأولى:الواحدة منا مجنونة، لأنها فكرت بالهجرة، وتركت كل الذكريات في بلدها

الثانية:صحيح

الأولى:مرة عنفت جارتي، لأني ظننت أنها أخطئت بحقي.

صدقيني لم انم الليل، وبقيت انتظر طلوع الشمس، كي اذهب إليها و اقبّل رأسها واعتذر

الثانية:صحيح

الأولى:قلت لها

الثانية:تعبت

الأولى:من صرخ عليك يوم أمس، هذه امرأة أخرى، ليست أنا، أنا المرأة التي تعرفين

الثانية:يبدو أنها تثرثر،لأفرغ عن وجعي أنا أيضا

الأولى:ما أجمل أحلامي، يوم كنت أفكر بالذي سيقاسمني حياتي………………..

الثانية)بصوت عال كي تجلب الانتباه)هناك الأشياء(تمسك يد الأولى وتوجه إليها الكلام مباشرة ) عفوا هل قاطعتك؟

 هل كنت تقولين شيئا ؟

الأولى:الذي كنت اعنيه، لم يكن يعنيك بشيء، لأنه أصبح ماض

الثانية: أنت امرأة طيبة لكني لا أفهمك وهذه مشكلتي

الأولى:ما أن تقدم إلى خطبتي ونظرت إلى عينيه عرفت انه سيكون أبا لأبنائي

الثانية:لو تخلصنا من الكره، لأصبحت الواحدة منا امرأة أخرى، تشعر بخفتها، ولا تستثقلها الأرض

الأولى:أرجو منك إذا تحدثت عن شيء ما، يجب أن توضحيه لي……………

الثانية:نحن مجرد بشر نحزن ونفرح ونحقد بسرعة وأحيانا دون مبرر

الأولى:هل تشعرين بالراحة هنا؟

الثانية:(مع نفسها)لم افهم منها شيئا كرهتها وتمنيت لها الموت وأحببتها وقاسمتها الأحزان،حقا إن تصرفاتي تشبه تصرفات الأطفال أو المجانين

الأولى:( حوار جانبي)هذه المرة لم اتركها تحكي وحدها، ودون أن افهم شيئا (توجه لها الكلام مع العديد من الإشارات بغية جلب انتباهها)سألتك عن………..

الثانية:اجل، صحيح

الأولى:هل تشعرين براحة ؟(تحاول التوضيح بمرافقة المزيد من الإشارات عن المكان)

الثانية:هنا ؟

الأولى:(حوار جانبي) اعتقد إنني نجحت(بفرح وبصوت عال)اجل هنا

الثانية:إنها بلد جميل

الأولى:أنا شعرت بالراحة هنا ولكنني احن دائما إلى هناك

الثانية:(حوار جانبي..مع نفسها) اعتقد تسألني عن الفرق بين وطنها وبين هذا البلد.

(برهة) وان كنت لم أر بلدها أبدا ولكني شبه متأكدة هنا أفضل

الأولى:أنا لا أنكر إنهم استقبلوني أحسن استقبال ولكني ما زلت احن إلى هناك

الثانية: حقا لِمَ لم تسألني ، عن وطني الذي اعشق

الأولى:أحلامي ؟

الثانية:اجل أساليني

-:هل تعودين إليه ذات يوم؟

-: وأنا أجيبك وقبل أن ينتهي سؤالك

-:أكيد أتمنى العودة اليوم قبل غداً حتى ولو بقي يوما واحدا في حياتي.

 على الأقل ادفن هناك

الأولى:( حوار جانبي) عدنا ثانيا إلى الضياع، لم افهم شيئا.

( تقترب منها تحاول تغير الموضوع )هل تشربين شيئا؟

الثانية:هناك كل شيء سهل (برهة ثم تواصل)اعني الحياة الموت، اجل ما أن يموت الواحد منا يدفن بسهولة دون عناء، ولكن هنا………

الأولى:هل تشربين شيئا؟

الثانية:أحدثك عن الموت، هل تخافين الموت؟

الأولى:ماذا؟

الثانية:الموت الموت(تمثل أمامها حالة الموت)

الأولى:ما به؟انه  أبشع شيء (تحاول تغير الموضوع وتعيد عليها السؤال السابق مع التركيز على مخارج الحروف)هل تشربين شيئا(مع حركة شرب شيء)

الثانية:كلا، لا اشرب شيئا(مع حركة الرأس للتأكيد)يبدو أنها تخاف الموت، لذا هربت من الإجابة(هي الأخرى تريد فرض موضوعها ومناقشة فكرة الموت) الموت عندكم سهل والدفن أيضا

الأولى:(تتواصل مع موضوعها)أنت تحكين عن الموت الذي اخذ منا الأعزاء(وهي تجسد لها شكل الموت)

الثانية: اجل هو هل تودين دفنك في بلدك أو هنا(مع المزيد من الإيماءات)

الثانية: لا اعلم هنا أو هناك مجرد الحديث عنه يشعرني بالفزع

الثانية:(بخوف)لا أتمنى الموت خارج وطني

الأولى:(تصرخ بها) اعتقد افتح لك التلفاز أفضل بكثير

الثانية:أنا لا أموت هنا، سأموت هناك

الأولى:هناك الكثير من البرامج(تشغل  لها التلفاز وفي الوقت نفسه تنطفئ الإضاءة لتبقى ومضات شاشة التلفاز مع مقدم برامج بلغة غير واضحة.. ينزل الدراماتورغ من الأعلى في الكرة نفسها كما في المشهد الأول حاملا بيده الشمعدان والذي يكون هو البديل عن الإضاءة المسرحية بالإضافة إلى ومضات التلفاز ومن فوق وقبل أن ينزل )

الدراماتورغ:أطفئي التلفاز فانه محذوف في هذا المشهد

(تسرع الأولى بإطفاء التلفاز وتتخذ الجهة اليمنى من خشبة المسرح ووجهها إلى الجمهور واقفة تنظر إليهم وكأنها تتهيأ للصلاة ..تقف الثانية في الجهة المقابلة لها وظهرها إلى الجمهور بعد أن تصل الكرة إلى خشبة المسرح ..يخرج الدراماتورغ من الكرة وبيده اليسرى يحمل الشمعدان إلى الأعلى.. يقف وسط المسرح ثم يستدير ببطء ليعطي ظهره إلى الجمهور وهو يتحدث وفي الحال ترتفع الكرة ثانية وبهدوء أيضا) ها نحن وصلنا إلى نهاية مسرحيتنا (يرفع يده اليمين ببطء أيضا ليعطي إيعاز برفع ستارة في  عمق المسرح كاشفة لنا عن مشهد آخر يطل بنا على حافة المنزل والنهر الجاري أمامه ويكون الرجل الصامت جزء من المشهد) الجارة المسكينة اتخذت قرارها الأخير بطلاق الدنيا فلم تستطع التواصل معها أو التعامل مع ما يحيط بها

الأولى:أنا خائفة (تصلي)

(يمكننا اعتماد المشهد الخارجي باستخدام الإضاءة الخارجية مع صوت المياه أو مؤثرات أخرى وتبقى خشبة المسرح معتمدة على ضوء الشموع كما نوهنا) لذا ها هي أمامنا تخلع ملابسها قطعة اثر قطعة(يمكننا متابعة المشهد أثناء سرد الدراماتورغ له) لتقل قولها مع اصدق شهادة لها بأنها تركت الدنيا التي لم تأخذ منها شيئا تركتها بنفس الصورة التي جاءت إليها(نسمع أصوات أناس متجمهرين حولها محاولين منعها من الانتحار)

صوت 1:كلا توقفي(يكرر هذا الصوت ويتداخل مع الأصوات الأخرى)

صوت 2:أرجوك يا امرأة ارتدي ملابسك(يكرر هذا الصوت أيضا ويتداخل مع الأصوات الأخرى)

الأولى:(تتمتم بأصوات غير مفهومة وهي غاية بالخوف والهلع لتدل على صلاتها وتوسلاتها) همم اللهههه همم ربرببري

صوت 3:أيتها المسكينة ابتعدي عن النهر(يكرر هذا الصوت أيضا ويتداخل مع الأصوات الأخرى)

(تتكرر الأصوات وتتداخل ويمكن التلاعب بالمفردات بالتقديم أو التأخير مع احتجاج المريضة)

-الأصوات الثلاثة:لا لا لا لا لا لا لا لا لالا لا

(فترة صمت قصيرة..يمكننا سماع صوت سقوطها في الماء أو مشاهدتها)

الأولى:(تصرخ وبصوت واضح وهي تركع على الأرض)حدث مكروه أنا خائفة(تنهض) عونك الهي الموت يحيط بي، سيوقف الخوف قلبي (تنهض بصعوبة.. تتقدم وكأنها تسير في موكب عسكري أو تشيع جنازة.. تمسك كرسي الرجل الصامت وتعطي وجهه إلى الستارة العريضة..تخرج من المنزل وهي تدفع الكرسي عبر الستارة العريضة لتنظم إلى المشهد الخارجي وفي نفس وقت تقدمها نسمع ومن بعيد صوت سيارة الإسعاف الذي يقترب شيئا فشيئا..نشاهد الأولى وهي تنحني على الأرض لتلملم ملابس جارتها التي انتحرت بعد ان تركن الرجل الصامت إلى جوار حافة النهر..تعود للدخول إلى خشبة المسرح حاملة بيديها الملابس وكأنها تحمل طفلا مقتولا..وبهدوء وبالكاد تخرج منها الكلمات) انتحرت، خلعت ملابسها وقررت مقابلة الموت عارية(تسقط على الأرض بعد أن توزع نظراتها إلى أرجاء المسرح..تحاول الثانية إسعافها..تصل سيارة الإسعاف نسمع أصوات ولغط خارج خشبة المسرح)

الأصوات:أشياء متداخلة وغير مفهومة وضجيج وصراخ

(إظلام ..تبقى الشموع مشتعلة وسط خشبة المسرح)

– النهاية –

 

Leave a Reply