توطئة

هكذا هو العالم اليوم منتشرة أشلاه في السهول والوديان وعلى أرصفة الشوارع وجماجمه معلقة على الرماح ورؤوسه ملقية في صناديق الفاكهة كما بثتها الفضائيات، ومن هذا الوجع ولد نص مسرحية رماح الفجيعة

  نص مسرحية

رماح الفجيعة

  تأليف

قاسم مطرود

الشخصيات

المرأة

الجندي الشبح

ظلام تام ومن وسطه وعبر غفلة الجمهور الذي ينتظر بدء العرض، يحدث انفجار مدوي وكأنه يهد الديكور المبني على خشبة المسرح، ويمكننا إيهام المتفرج بان حادثا مروعا قد حدث عبر الغبار والأتربة المتطايرة من الركام.

ومن الظلام الذي يسود المسرح لبعض من الوقت، نسمع صوت المرأة الممزوج بالأنين والآلام

   صوت المرأة:

ما الذي حدث؟

لم اعد أرى أو اسمع شيئا

هل انتم بخير؟

هل تسمعونني؟

“على الجانب الأيسر من خشبة المسرح تثبت ستارة بيضاء وعلى الجهة الأخرى ستارة من اللون نفسه تستخدمان كشاشات لعرض الأفلام التي تبث أثناء العرض المسرحي أمام الجمهور وعلى حافة مقدمة خشبة المسرح يدخل الشبح من الجهة اليمنى متجها وبسرعة خاطفة إلى الجهة المقابلة مرتديا معطفا اسودا وغطاء للرأس ولا يتضح من ملامحه أي شيء وكأنه خرج الآن من مغارة سحرية أو هو صورة يجسدها جنونا فقط، يكون دخوله وخروجه سريعا وعلى أن لا يمس شيئا وكأنه طائر في الهواء.. يبدأ الضوء بكشف الخشبة شيئا فشيئا وتكون خطوات المرأة هي دليل الكشف..وخلال هذا لم تشاهد الشبح في هذا المشهد ولا في المشاهد التالية إلا في المشهد الأخير، وهذا يعني أن يكون دخوله وخروجه مدروسا ومقنعا، ومن خطوات المرأة يتبين لنا ولها بان البيت تعرض إلى قصف “

  المرأة:يبدو أن القصف قد اختار بيتي هذه المرة

“بهستيريا وكأنها تنبهت للأمر الآن”

بيتي “تصرخ”

أولادي النيام؟

 أين انتم؟

 ألا تسمعونني؟

“تتأوه وتمسك ساقها التي تألمها، ترفع يدها إلى الأعلى لتشاهد الدم النازف من ساقها التي صارت تتعكز عليها أكثر من ذي قبل..وهي تبحث عن فانوس أو شموع كي تعرف حجم الحدث”

 يا لحسن الحظ، هذه حزمة شموع قد استخدمتُ بعضها يوم أمس لعيد ميلاد ولدي الصغير

“تبدأ بإشعال الشموع وتضع كل شمعة في زاوية ومع كل شمعة تضاء نشاهد أشلاء جثة غير واضحة المعالم..تتحدث أثناء وضع الشموع لتتضح أجزاء من المشهد”

انه يوم القيامة

هو موتي إذا

رباه أيقظني وقل بان هذا كابوسا وليس واقعا

يا الله، هل هذه أجساد أولادي؟

أسالك؟

 اجبني

 فأنها حيرة لم يألفها احد قبلي

 إنها الساعة إذا؟

“وهي تتفحص المكان”

إن كان ما أشاهده حقيقيا

 فان السماء سقطت سهوا على الأرض

 أو انفلقت الأرض لتبلع الكون

“وقد تأكدت من أن الموتى هم أبناءها بعد تفحصهم.. تصرخ”

خيانة

 رباه أنها خيانة

 لم يبلغن احد من قبل بان فاجعتي كبيرة

 رباه أرجوك راجع الأمر

 فلا طاقة لي لحمل هذا الكابوس

 لو أعلمتني بهذا اليوم الأسود، وكأنه فناء جميع الأحياء في الأرض والسماء

 لما فكرت بإنجابهم أو تربيتهم

 أرجوك يا الله قل إنها دعابة

“تتألم من شدة جرحها..فترة صمت،وهي تتأمل جثث أولادها “

قدمي تنزف ويبدو أن ما حدث، حدث

“من زاوية مظلمة وخلف المرأة نلمح الشبح الذي يحمل كاميرا للتصوير المنزلي يقوم بتصويرها ويركز على قدمها التي تنزف، ويمكننا مشاهدة جميع ما يصور من قبل الشبح على الشاشتين “

أن كان قرارك موتي في هذه اللحظة، كي امتد إلى جانبهم، قد تكون هونت عليّ الهم

“ترفع رأسها إلى السماء”

 خذني معهم، ولدت بقرار منك دون علم مني، أرجوك يا الله أمنحني حرية اختيار موتي وخلاصي من وجع لا تعرفه أنت

“فترة صمت..تتجول بين الأنقاض وكأنها مجنونة، وفجأة تتذكر..كلما تتحرك تتابعها الكاميرا لترصد فعلها وهول فجيعتها “

آه يا زوجي المسكين ذهبت إلى عملك، بعد أن قبّلت الجميع”تبكي” كان يتمنى مشاهدة فلم عيد ميلاد ولده الصغير، لكن الليل داهمنا وقلنا نشاهده يوم غد

“مع نفسها”غد أي غد، ليس هناك في العالم شيء اسمه غد

 إنها القيامة الآن”برهة”

  -: يا ويلي

-: يا وجعي

-: يا حزني

-: يا ضياعي

-: يا فنائي

” يتحرك الشبح إلى زاوية أخرى، راصدا مشهدا من المنزل المهدم أو حيرة المرأة “

كيف اسجل هذه المشاهد كي يشاهدها زوجي، بعد معرفته بان وليده الصغير مات في يومه الأول من عامه الجديد

“يوجه الشبح كاميرته إلى مكان أولادها بشكل عشوائي “

انظر يا زوجي”وهي تتفحص الجثث” هذه أشلاء أبنائنا، تاريخنا، وجودنا، معنانا

“برهة تناجي السماء” يا الله هل تشاهد معي ما أشاهده”يتحرك الشبح بين الأشلاء وبخفة كأنه طائر ودون أن تشاهده المرأة وليس بالضرورة أن يختفي يبحث عن وجوه أولادها أو ما يمكن التقاطه حتى تصل الكاميرا إلى وجه الابن الأكبر”

هل تصدق يا زوجي المسكين “توجه الحوار إلى زوجها الغائب” بان ما أشاهده الآن هو وجه ابنك البكر الذي التصق اسمك باسمه، حتى نسى الجميع من تكون وصاروا ينادونك بأبي، هذا هو وجهه المدمي

 يبدو إننا لم نكن نفهم شيئا حين كنا نتحدث طويلا عن مستقبله ونبوغه وكيف سيحمل اسمك

 كنت تصطحبه معك أينما تذهب، لأنه يتحدث وكأنه مثل الكبار

 وكنت تقص عليّ نوادره وردوده ونقاشه مع أصدقائك، انظر، انه يفتح فمه الآن دون كلمات أسكته القصف وأطاح بحلمك وحلمي

“بعصبية “

أولم اقل لك زوّجه يا رجل، تمنته كل بنات الحي لم يعرفن إن القصف اختاره قبلهن جميعا

“تتجول بين الركام وتتخيل وجود فتيات تتحاور معهن بين الواقع والجنون “

-: ربما أجد إحداهن هنا

 “تشير إلى إحدى الجهات”

-: ربما أنت من كنت تحلمين بالزواج منه، أو حلم بك، بالله عليك ابلغيني، هل وعدك بشيء أو أودعك أسرار لا اعرفها، إن كنت أنت فهذا يعني للحلم بقية

“لا تحصل على أية إجابة، تعود إلى ما كانت عليه وبكامل حزنها”

-: اعرف أن القذائف أجهزت على كل شيء

“يمسك الشبح دفترا مدرسيا وبالكاد يتضح للجمهور، ثم يبدأ بتصوير مشاهد من الركام والأثاث المهشم وكتب مدرسية والى جوارهم طفل قطعت يده..وخلال هذا تصل المرأة إلى المكان الذي يصور تجلس على ركبتيها وكأنها تجسد مشهد صلاة، وما أن تتضح صورة الطفل على الشاشات، تسقط على الأرض تركع”

-: واليك يا الله هذا الابن المسكين

-: كنت غبية يا الله

-: لم اتركه ينام، إن لم يكمل واجبه المدرسي

-:اعذره يا الله

– :يبدو انه تعب ونام دون إكمال الواجب

-: اغفر له يا الله

-:هل ستحاسبه يا رب

-:انه طيرا من طيور الجنة

-:انه لا يعرف طريقا غير طريق المدرسة

-: سامحه يا الله

-:مازالت دنياه مغلقة بالنسبة إليه

-: “تبكي وتتنهد”سامحه ودعه يطير في سمائك الواسعة

“خلال هذا المشهد تتفنن الممثلة في تجسيد أدائها ليكون مزيجا من طقوس الصوفية مع جنون أم ثكلى ممزوجا بالهستريا.. تنتصب واقفة،تتحدث دون أية حركة وكأنها في حالة استعداد عسكري..لا زال الشبح يصورها”

-: اعرف بأنك سترضى عني لأني أتابع واجباته المدرسية كما وعدتك، ولكنه مات

“تعيد كلمة..مات..ولكن بصوت خافت بالكاد يسمع”

-: مات

“وكأنها لم تصدّق فكرة الموت..تصرخ وتركض داخل الأنقاض وخلال هذه الفوضى تتحدث بكلمات لا ربط لها..ضروري جدا هنا متابعة هيجانها وجنونها عبر جنون الكاميرا “

-:  مات، من قال هذا، اسكتي انك بلهاء، إياك إعادتها ثانية أيتها المخبولة”تتوقف”

-: ماذا مات من قال انه مات انه حي، كلا، انه كابوس، أرجك يا رب حرك جسدي، القي بي من سرير نومي ،أسقطني على الأرض حتى ولو انكسرت يدي، لا أريد هذا الهول أن يستمر(تصرخ) انه لم يمت

 “تستمر بالدوران حتى تتعثر بإحدى قطع الأثاث الموجودة على الأرض..تصرخ من شدة الم ساقها.. تصمت قليلا”

-: ها أنا سقطت على الأرض والكابوس كما هو

 “تتحرك باتجاه ابنها الصغير..تحركه بهدوء وكأنها تخاف إيقاظه، وهي تبكي وترتجف”

-: ولدي العزيز اعرف انك مرهق وأتعبك الدرس لكن أرجوك أعلمني هل أنهيت واجباتك المدرسية، سأقول لمعلمك انك مجّد في درسك وتحضّر واجباتك اليومية

“تتحرك الكاميرا باتجاه الجمهور تارة وأخرى تتفحص المكان حتى تصل إلى ساق المرأة ثم تركز على الكتب والدفاتر “

ماذا أقول لمعلمك وأنت أتلفت كتبك بدمك “تتفحصهم أثناء حوارها”

، يبدو انك وقعّت بالدم على انتهاء الدرس

“بحشرجة وبالكاد يخرج الحوار منها” استيقظ يا ولدي الحبيب ولملم هداياك التي أبهجتك، خذها معك إلى معلمك وقل له

-: باني أجلت فتحها حتى اصل المدرسة كي يشاهدها زملائي “تبكي”

استيقظ أرجوك انهض، تحرك بالله عليك

“تشعر باليأس من إمكانية حركته”

إن لم تستطع الذهاب إلى المدرسة مع هداياك، فخذها معك أينما تذهب

“وهي تلملم هداياه وتضعها إلى جانبه أو فوقه..تصرخ”

هناك قدّم لهم شكواك وبلواك وأبكي واصرخ وأسألهم سؤالا واحدا قل:

-:أهكذا يكون عيد الميلاد؟

“تتحرك الكاميرا باتجاه الجمهور ، إذ تظهر على الشاشات شخوصا منهم “

-: “تكرر السؤال “أهكذا يكون عيد الميلاد؟

” تحاور شخوصا مفترضين في بيتها”

هل شاهد أحدكم ابنتي”تكرر السؤال..تصرخ” ابنتي حبيبة قلبي حبيبة أمها

أين أنت

 يا رب أين هي الآن؟

“تندفع إلى المنزل باحثة عنها وخلال البحث تنادي”

-: أين أنت حبيبتي؟

-: أمك عبارة عن وهم دونك

-:من يساعدني ويقف إلى جانبي غيرك

-:أرجوك أجيبي؟

– أخويك غادرا سريعا وتركاني وحدي لكنك لا ترضين بهذا الفعل طبعا

-:قولي:

-: أنا هنا

-:قولي:

-: أنا موجودة

-: قولي شيئا

“تهدها التوسلات وتسقط على الأرض لأنها لا تسمع أي مجيب “

ربما هي في المطبخ، لأنها تساعدني دائما

“تنهض” علي الذهاب إليها”تتجه إلى المطبخ لكنها تجد بابه موصدا بالركام المتساقط من السقف والجدران..تضرب بيدها وفي الوقت نفسه تحاول أزاحته إلا إن الأنقاض ثقيلة وأثناء عملها تتحدث”

-:يا الله، أريدها منك، يا رب، يا الله أنها بنت صغيرة

“تحمل شيئا تثقيلا وتحاول إحداث ثغرة، لكنها تعجز، تضع رأسها على جدار المطبخ وتحاول السمع..خلال هذا المشهد يتحرك الشبح من مكان إلى آخر وبمعيته الكاميرا التي ترصد أشياء كثيرة وبطريقة عشوائية”

-:بنيتي هل تسمعينني؟

 أنا أمك هل أنت مجروحة مثلي؟

 يا الله إن كانت جريحة فضمد جراحها، وان أردتها إلى جوارك مثل أخويها، فدعني أشاهدها مرة واحدة

 أظنه عدل

 أليس كذلك، أن أراها قبل أن تصل إليك؟

 إنها ابنتي

“تصرخ بهستريا”أنا أم

يا الله أنا أم

“تحاول أن تتماسك وكأنها تتحدى”

-:إنها وبحق خيانة لا مثيل لها

 ليست لي وحدي بل بحق كل الخلق البشري، لم اسمع أو أشاهد في الكتب السماوية أو القوانين الأرضية بان يكون جزاء ألأم كجزائي اليوم

“تبكي..وكأنها استسلمت للأمر الواقع.. تنهار”

 أين أنت يا زوجي، تعال وشاركني البكاء واللوعة والخسران والضعف والانهيار، “برهة”

كان بودي أن أصور لك السجن الذي يلف طفلتك حبيبتك التي لا تفارق حجرك أبدا والتي استحوذت على حبك كله

اعرف يا زوجي بان مأساتك كبيرة، إلا أني تنفست الموت معهم وهذا أكثر من ظلم

 لذا أقول لك اصرخ معي وقل:

-:حرام، أن ما حدث لنا لا يستوعبه عقل ولا يقبله ضمير، اصرخ حتى ولو صعد صراخك إلى السماء

“نسمع صوت طلقات في الممرات والأزقة المجاورة مع الأصوات الغير مفهومة، تنتبه الزوجة إلى الطلقات، تصمت قليلا..يتحرك الشبح بسرعة ويوجه الكاميرا المرتبكة إلى الجمهور ثم إلى وجهه”

اسمع يا زوجي كن بعيدا عن المنزل فالخطر يحيط بنا

 نحن محاصرون، اسمع يا زوجي

 أرجوك، سجل احتجاجك في كل مكان وأينما ذهبت

 لا تصمت أبدا

 إنني انزف

“تشتد أصوات الطلقات وتقترب أكثر وهكذا هي أصوات الخطوات المتداخلة، وفي الوقت نفسه يزداد رعبها تستقر الكاميرا في نهاية الأمر على وجه الشبح الذي ببطء يزيل غطاء الرأس كاشفا عن قلنسوة جندي مغولي قديم بعد أن يقف قبالة المرأة..يستمر يخلع بدلته السوداء التي تظهر كامل قيافته العسكرية المعاصرة المدججة بالأسلحة المختلفة حسب العصور ..وخلال هذا المشهد ترتعش المرأة من الخوف بعد أن تشاهد الجندي الشبح الذي يشهر سلاحا في وجهها “

-:من أنت؟

-: لم أنت هنا؟

-:منـــــــ ……………..

“قبل أن تكمل جملتها الأخيرة يطلق عليها الرصاص ويسقطها أرضا.يتقدم ببطء..يصورها ،يقرب الكاميرا من وجهها ثم يتقدم إلى الجمهور مع فوهة بندقيته وهكذا نشاهد الكثير من الجمهور على الشاشات الخلفية”

تمت

 

Leave a Reply