تأليف

قاسم مطرود

الشخصيات

– الرسامة

صوت موسيقى كلاسيكية، والتي سترافق العرض حتى نهايته، ويمكننا تغيرها بقرص آخر، ثم يبدأ الكشف عن مجريات خشبة المسرح.

الإبصار الأول:

 في العمق بعض الرفوف الرثة التي وضعت عليها كتب ومجلات بصورة غير منتظمة.. وسط خشبة المسرح تجلس الرسامة على كرسي قديم، والتي تدخن وتتأمل دخانها ورجليها ممتدة على الطاولة القريبة منها، حولها ركنت عددا من اللوحات المكتملة والتي لم تكتمل بعد، من الأعلى يتدلى مصباح كئيب.

وفي مقدمة هذا كله جدار زجاجي أو من البلاستك بارتفاع مترين أو أكثر بحيث يختفي بالنسبة لأفق المشاهد، والذي يفصل بين عالم المرأة والمتلقي وفي وسطه ثلاث نوافذ صغيرة يمكن فتحها وإغلاقها ببساطة متوزعة على جانبي ووسط الجدار، وأسفله من جانب المرأة العديد من علب الألوان وفرش اسطوانية كبيرة

الرسامة:(تنهض) لنبدأ إذا، لا بد من إنهاء اللوحة هذا اليوم .

(تمسك بفرشاة كبيرة وتغطسها في علبة ألوان كبيرة أيضا لتبدأ برسم خطوط عريضة متداخلة لصنع لوحة في نهاية الأمر)

رجوتهم تأجيل الاستلام، إلا أنهم أصروا على أن يكون هذا اليوم هو الأخير.

(تصمت وتعيد الكلمة الأخيرة) الأخير، اكره النهايات حتى لو كانت سعيدة، إنها نهايات مهما اختفت المسميات والأزمنة، أحب الحياة التي فيها جديد دائما.

(فترة صمت، تطل برأسها من النافذة الصغيرة الموجودة وسط الجدار الزجاجي)

عليك أن تتذكري بان هذا العقد هو الذي لا يخلفه عقد آخر معهم، فان استلموا لوحتهم وذهبوا ستعودين إلى صمت غرفتك، ولا جديد لك إلا أفكارك التي ترتطم في هذه الجدران ليرد عليها صمتك بصمت آخر.

(تعود إلى الرسم بأقل سرعة مما كانت ترسم من قبل)

المهم أن أفي بوعدي وأسلمهم ما اتفقنا عليه أنا………

–         توقفي عليك إنجاز اللوحة أولا

( تندفع إلى رسم اللوحة بوضع الكثير من الخطوط العريضة بالطول أو العرض وبألوان مختلفة تتقاطع أحيانا وتتوافق بالسير أحيانا أخرى )

لم أتوقف عن العمل والحلم منذ كنت صغيرة، اعرف إن الحلم سقط، ولكن ظل العمل شامخا دائما.

 تصورت بأنني صاحبة مبدأ لا يمكنني رسم شيئا إن لم اقتنع به.

(تستمر بالرسم دون توقف ) لكنني رسمت أشياء كثير مقابل المال.

(تصمت ثم بهدوء)للأسف ( تعاود العمل)

–         لماذا للأسف؟

أنت كائن صغير وتافه في علم كبير وحشي لا يرحم.

حسنا فعلت يوم طلقت الأحلام وهجرتي المبادئ وعلقت الوفاء على جدران الحقيقة الوهمية التي هي أولى شهداء الحياة.

أنت وجيلك كله يحن إلى أيام المقاعد الدراسية لأنها ثورة من الآفاق المفتوحة.

كنا نتصور بأننا سننال كل ما يتركب من جمل أحلامنا ووهمنا المستمر.

(تصرخ)لكنه وهم

(ترسم بصمت لتغطي جزءا هاما من اللوحة) لم تصدق أمي وأنا اهمس في أذنها

–         أمي الحبيبة، بي رغبة لإكمال دراستي في الرسم خارج الوطن

–         ماذا؟

صرخت في وجهي وكأني أخبرتها بموت عزيز على قلبها

–         اشعر أني فنانة وموهوبة وبي قدرة على تغير العالم

–         ولماذا خارج الوطن ؟إخوتك………..

قاطعتها بحب وبهدوء

–         لأنني احمل أفكارا لا يتسعها الوطن.

لم ترد على غطرستي وكبريائي ووهمي، صمتت وكأنها أدركت وبشكل مبكر حقيقة الأحلام التي تهاوت من قمم الجبال إلى القاع الذي أخفى ملامحها

–         ومن أين تعيشين هناك؟

قالت ثم أضافت

–         لا أظن أبيك يوافقك الرأي أو يساعدك في دفع المال

–         سأرسم وأعيش من عملي،

قلت لها بكل غرور

–         صعب يا بنيتي

قالت وكانت محقة، إلا أنني تحديت نفسي أولا والآخرين ثانيا.

جندت نفسي وروحي وجسدي لأكون كجذع شجرة لا تحركها الريح ولا شيء أمامها سوى العمل والأمل والاستمرار بالبقاء في الحياة.

(تطل برأسها من الفتحة ثانية)

لم يكن العام الأول ككل الأعوام انه أصعب عام في حياتي

فكرت بالانتحار مرارا وعدلت عن فكرة الموت التي ترهبني وتذهلني.

(تعود إلى الرسم) لكنني تحديت وعليّ أن أكون بحجم التحدي الذي قطعته أمام أمي.

ومر العام الثاني وكان أهون بكثير مما سبق.

(تتوقف عن الرسم تتراجع إلى الخلف)

اعتقد من الأفضل الرسم على هذا الجانب أفضل كي تتوازن اللوحة.

(تنتقل إلى مكان آخر)

كانت سنينا عجاف، لم اعرف شيئا من المتعة خلالها، رائحة الألوان الزيتية ومواد تنظيفها هي رائحتي الدائمة، لم استعمل عطور النساء أبدا، لم اخرج سيقاني إلى الشمس.

كم شاهدت النساء الجميلات العاشقات المترنحات في الشوارع والحدائق وكنت اسخر منهن واصفهن بالخاويات الفارغات لأنهن دون هدف

(تتوقف عن الرسم ومن الفتحة وبشكل سريع)كنت غبية

(تعود إلى الرسم وبسرعة)

وما أن دخلت العام الثالث من غربتي تزعزع قلبي الحديدي يوم اشترى تاجر إحدى لوحاتي، الذي ظل عطره في كفي لأكثر من يومين، غريب هذا العطر الذي هيمن على عطر زيت الرسم.

 وما أن قرر الحضور ثانية لشراء لوحة أخرى، سارعت لإزالة رائحة الزيت، لتقديم أنوثتي أمام عطره.

بقيت معه على هذا الإيقاع أوازن بين الرائحتين.

ولأكثر من عام لم ير ساقي لا هو ولا الشمس

( تكون قد غطت جزء هاما من الجدار بالألوان المختلفة)

ولأنه رجل ككل الرجال حاول سباق الشمس بمشاهدتهما وكان طلبه واضحا دون خجل، أكيد قاومته ورفضت طلبه لأنني قفلت قلبي بسلـــسلة مـــــن حديــــد.

(تصمت..وبهدوء) لكنه كسرها، فرضت عليه الزواج ووافق.

 حينها منحته حق مشاهدتهما ليل نهار قبل طلوع أو غروب الشمس

( تتراجع إلى الخلف ترتشف من فنجان قهوتها بعض الشيء تتأمل لوحتها بعض الشيء ثم تختار مكان ما لتباشر الرسم) اسكنني في بيت يشبه القصر وجلب لي شغالة وطاهيه وفتح لي مرسم كبير لم احلم به من قبل، ووفر فيه كل ما يحتاجه الرسام، وقال:

–         أنت حبيبتي و زوجتي وعليك الرسم فقط أكلك وشربك يصلك حيث ما تريدين وملابسك ستكون في أحسن حال ولا تهتمين بأمر زوجك فهناك من هو ساهر على خدمته وما عليك إلا الرسم فقط.

وقتها شعرت أني اقتحمت منطقة الحلم، لان الرسم والتعبير عن ذاتي كانا غايتي الأولى، وبالفعل كنت ارسم ليل نهار وأحيانا اكرر موضوعاتي ولكنه لا يعترض.

 كان يستلم كل ما يخرج من يدي ويأتني باليوم الآخر بالمزيد من المواد وأنا ارسم دون توقف.

(تطل برأسها من الفتحة، وبهمس)

بعد فترة اكتشفت باني اقتحمت منطقة مظلمة يصعب على الخروج منها.

شعرت بان أمثالي ممن شيدوا الجنائن المعلقة أو الاهرامات أو شاركوا في حروب الرومان أو الفتوحات دون أن يذكرهم احد.

(تندفع إلى الداخل تمسك إحدى لوحاتها المركونة في غرفتها)

اعرف بأنني أدون اسمي على جميع اللوحات لكنه كان وحده في الصورة هو الذي يتفاوض على الثمن وأنا العامل الذي أكلته الآلة ببطء في منطقة الحلم المظلم.

وبعد عام دعوته إلى العشاء في مطعم خاص وهناك فاتحته بما يحاصرني وقلت له:

–         اعرف انك تستغلني لكنني سأتناسى الأمر لأنك زوجي وقد تكون غدا أبا لابني

لكنه انتفض صارخا مستغربا وقال:

–         مستحيل

وبهدوء سألته:

–         لم أفهمك، ما هو المستحيل؟

وأجاب بسرعة وكأنه قد احضر أجابته منذ سنين

–         أن يكون بيننا أبناء

لم استطع الرد عليه في حينها، لأنني دخلت في غشاوة لم أعهدها من قبل وكأني دخلت غرفة الإنعاش.

اثبت وبشكل فاضح حجم غبائي ومقدار خديعتي بعطره المزيف.

تركت الطعام ولم استطع مضغ لقمتي وطلبت منه المغادرة والذهاب إلى البيت

(تطل برأسها من النافذة الأخرى)

– أمي كان الحق معك، لم يكن الأمر سهلا، كنت أتصور الحياة أكثر عفوية ونقاء تصورتها تسير والشرف يحفها من كل جانب

(تعود إلى الداخل تقف في الوسط)

ما أن وصلت البيت اندفعت إلى مرسمي.

(تلتصق بالجدار لترسم بوحشية)

لرسم كل أوجاعي محاولة الصراخ والاعتراف بالهزيمة أمام نفسي على اقل تقدير.

لم انم يومها وكم كرهت فراشي ذلك الميدان الذي أخسرني المعركة.

(فترة صمت قصيرة) ظللت ارسم حتى أقحمني الصباح، ذلك الجمال والسحر الذي لا يضاهيه سحر رغم الإجهاد والحزن الذي لفني وهز كل ثوابتي.

كم كانت لوحاتي لذلك اليوم قاسية ووحشية، وهي وحدها التي لم تجد سوقا لها.

(تضحك بسخرية) لا اعرف هل هذا من حسن حظي أو من سوء حظه.

وبعد فترة قليلة ونحن نتناول الطعام بصمت وجها لوجه، طلبت منه الطلاق.

–         طلقني

–         ماذا؟

–         سمعتني جيدا

–         مستحيل

–         بالنسبة إليك

–         وأنت؟

–         أريد الطلاق

 على الرغم من وضعي المترف في بيته.

وأنا على يقين بان لا أجد مثيله خارج البيت السجن، لكنني لم استطع البقاء مع خديعتي، حاول إقناعي في بادئ الأمر.

لكنني رفضت ثم تحول إلى تخويفي بالحال الذي سأتحول إليه بعد الخروج من مملكته.

–         ستموتين دوني

–         تعتقد

–         أنت وحيدة

–         هكذا كنت قبل أن أراك

 ولكن صورة أمي كانت ماثلة أمامي دائما، والتي اشعر بصفعتها أحيانا أو بتوبيخها لي وكيف سأواجه أبي؟

ما إذا أقول لهما وأنا استحضر ماض قاس وفي الحال تحول إصراري أمامه كقرار دون رجعة

–         (تصرخ في وجهه ) أريد الطلاق

–         لك هذا، لا تصرخي ولكن تذكري باني حذرتك

–         شكرا لخداعك وتحذيرك

 (تندفع إلى الخلف لتجلس على الكرسي متناولة فنجان القهوة بعد أن تشغل موسيقى كلاسيكية بعد أن تكون قد غطت المساحة الأكبر من اللوحة الزجاجية أثناء حوارها السابق)

المرأة التي تقرر ترك وطنها وتعيش في الغربة، لا خوف عليها.

(فترة صمت قصيرة تتمتع خلالها بسماع الموسيقى ورأسها ويديها خارج أحدى الفتحات)

ما أن خرجت من مملكته، عشت في غرفة أسوء بكثير من غرفة الشغالة في المملكة السجن السابق.

لكنني كنت راضية عن نفسي، أو هكذا كنت اعتقد

(تنسحب لمواكبة الرسم وبالطريقة السابقة نفسها بعد أن توصل الفرشاة بعصا طويلة كي ترسم على أعلى الجدار مغطية اغلب المساحات)

بعد انفصالي عنه شعرت إن التحدي هو علامتي أمام ذلك التاجر الذي غابت الإنسانية عن قلبه.

وما عليّ إلا أن اثبت وجودي أمام نفسي وأمي وأبي وأمامه هو بالخصوص.

عملت بجهد أكثر مما كنت اعمل من قبل، وذات ليلة زارتني إحدى الصحفيات وبالحال عملت معي حوارا مطولا وما أن زودتها بصور لوحاتي وصورة لي،

نشر في مجلة معروفة ومهتمة بالرسم ومنذ ذلك اليوم صارت الصحفيّة تتردد عليّ كثيرا وصرنا أجمل صديقات.

 وذات يوم قالت

–         هناك صالة عرض طلبت مني مفاتحتك لعرض لوحاتك مقابل نسبة بالبيع

حينها شعرت إنني أحرك قرص الشمس بالاتجاه الذي أريد.

انه حلمي الأكبر، أن أكون رسامة معروفة، عبر الصحافة والتلفزيون واحقق هدفي في تغير العالم

(بهدوء وكأنها تحدّث نفسها)حلم قديم.

كانت من أجمل الأعوام، لقاءات في الصحافة ومعارض وعلاقات فنية وحوارات مع الآخرين المعنيين بالفن وتبادل وجهات النظر

(مع نفسها)انه عالم خاص نصنعه نحن وربما يكون خدعة.

(بصوت آخر وكأنها تحولت إلى الشخصية الأخرى)

لم اشعر باني كبرت على الرغم من أن الشيب غزى راسي والأعوام تمر في غربتي بين عمل وعذاب ومعرض وصحافة

(فترة صمت..تعد فنجانا آخر..تخرج سيجارة من علبتها وتحاول التدخين ولكنها تتقدم إلى الفتحة مشعلة سيجارتها ورأسها باتجاه الجمهور..تدخن بعمق وبحسرة)

وبغفلة مني، ودون أن ادري، تسلل الخراب إلى روحي مثل العفن الذي يتسلق الجدران ليل نهار دون أن تراه، إلا إذا كبر واقتحم عينيك (تعود إلى الداخل مواكبة الرسم بتغير فرشاتها الاسطوانية الكبيرة بأخرى اصغر وبلون مختلف)

يا لسذاجتي تصورت شهرتي كفنانة ستزيد بهجتي، إلا أنها جذرت تعاستي.

يوما بعد يوم اكتشف خدعة وجودي، وجنوني بالكفاح كي أتفوق على زميلاتي وكل معارفي واثبت لامي باني أهلا للقرارات.

كنت في زيف كبير اسمه الحياة، قتلتني ذاتي التي كانت تبحث عن مستقرها في العالم الخشن، ولكن الأحزان لم تترك لها متسع للحلم

(فترة صمت قصيرة..ترتشف قهوة من فنجانها..تغير قرص الموسيقى بأخرى تتلاءم مع مجريات الحدث)

صرت أتعاطى المهدءات دون سبب، ودون سبب ابكي، اصرخ دون سبب، لم ينفعني الرسم والإحساس بأهميتي، وبما صنعت ولم تنعشني أجمل الشوارع والبحيرات والمقاهي المركونة على الأرصفة.

سافرت وجلت مدن ودول عديدة ورفيقي الدائم الذي دون اسمه على جواز سفري هو الحزن

–         أين أنت الآن يا أمي ابنتك صارت فريسة سهلة لهذه الحياة

(تترك فنجانها وتباشر بالرسم ثانية مع تغير الألوان والفرشاة)

نصحوني بزيارة الوطن والبكاء في حجر أمي عسى الدموع تغسل الهموم وتعيد لي تلك البنت الحالمة التي تاهت في الدروب الوعرة

(تكون قد أكملت الجزء الأكبر من اللوحة وغطتها بالألوان، ولم يبق إلا وسط اللوحة وما يحيط بالنافذة، ونحن بالكاد نشاهد الرسامة التي يصلنا صوتها وبعض من تحركاتها)

لم انتظر طويلا بالذهاب إلى الوطن الذي توسمت به خيرا، وعسى أن يمنحني فتاتي صاحبة الضحكات العفوية وكبريات الأحلام في تغير العالم الذي انتظرها طويلا

(مع نفسها وبهمس)

–         غيري نفسك أولا يا من لم ير أسنانك ولا ضحكاتك الآخرون منذ زمن

(تعود إلى حالها) صرت أعيد شريط تجوالي في شوارع الوطن أمام ناظري في كل لحظة عسى أن أصادف احد الأصدقاء أو الصديقات واحكي لهم عذاب السنين.

(تتوقف عن الرسم..تقترب من النافذة لنشاهد وجهها وهي بكامل حزنها، وبهمس مسموع)

ما أن وصلت البيت، ألقت أمي على صدري جبلا من الأحزان بسردها خبر وفاة أبي قبل وصولي إليهم بأسبوع

(فترة صمت قصيرة)

لم استطع معرفة شعوري وأنا متابعة من قبل العيون التي تراقب كل تصرفاتي وكل حركاتي، هل هي مزيد من الراحة؟ أو الأحزان التي لا تستوعبها الأبدان البشرية؟

(برهة)طوال وجودي في بيتنا العتيق كنت ابكي على أبي وعلى أمي وعلى الذكريات وعلى ملابسي القديمة التي اختفت وعلى نفسي المسكينة الضائعة.

لم أتصور إن للإنسان هذا الكم من الدموع وهذه القدرة على التنهد لقد سقط العالم كله أمام عيني في لحظة واحدة فكيف لا ابكيه.

العالم المسكين الذي فكرت بتغيره(برهة)

لم أكمل الأسبوعين في الوطن العلاج، ثم عدت إلى هنا، بعد أن عمقت غربتي في جميع أركان بيتنا القديم، لم يكن حضن أمي دافئا كما حلمت به، ورائحتها هي الأخرى تغيرت، ووجهها صار كخارطة العالم بعد أن كان ضوء الصباح، أمي لم تكن أمي.

(تتوقف ومع نفسها وبهمس مسموع.. تخرج أحدى فرشاتها من النافذة)

بيتنا القديم كما هو، ولا اعرف ما الذي تغير

(تعيد الفرشاة وتخرج أخرى وبلون آخر) وأمي هي ذاتها ألام الطيبة النقية بحضنها ورائحتها.

(تخرج فرشاة أخرى وبلون مختلف ليكوّنا لونين يمكن المزج بينهما)

أنا التي تلاشت بين أحلامها،وبين البيت العتيق أنا الأخاديد التي سكنت وجه الصباح.

أنا التائهة بين رائحة الزيت وعطر التاجر ورائحة أمي التاريخ

(تمزج بين الفرشاتين لتسقط بعض قطرات الألوان على الأرض)

والركض وراء السراب

(تعيد الفرشاتين إلى الداخل وتصرخ)

–         أمي اشعر بالتعب، وجسدي لا يحملني بعد، لقد تعبت من الترحال، أرجوك احتضنيني ضميني إلى صدرك عالمي الأول

(ترسم بعنف ثم تتوقف فجأة)

لا اعرف لماذا استحضرت كل هذه الحكاوي اليوم وأمام ناظري،انه الجنون بعينه.

(تعاود الرسم بسرعة)

انه سيأتي بعد قليل ويستلم لوحته الأخيرة ونغلق العقد.

(تكون قد لونت جميع أطراف اللوحة ولم تبق إلا الفتحة)

كم رجوتهم تأجيلها إلى يوم آخر إلا أنهم أصروا على أن يكون هذا اليوم يوم الخلاص.

(بكلمة الخلاص، تكون قد أنهت لوحتها بتغطية كل أجزائها مع النافذة أيضا، وحال الانتهاء نسمع سقوط الفرشاة من يديها، مع انتهاء صوت الموسيقى التي كانت مستمرة طوال العرض..ليعم الإظلام التام خشبة المسرح..ومن الظلام نسمع صوت الطرق على  الباب الذي لا يفتح ليكرر الطرق مرارا وسط الظلام )

تمت

 

Leave a Reply